حجم الخط:

التوحيد أولاً

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي تفرد في أزليته بعز كبريائه، وتوحد في صمديته بدوام بقائه، ونوَّر بتوحيده قلوب أوليائه، وطيَّب أسرار المؤمنين بطيب ثنائه، وأسبغ على السائلين جزيل عطائه، وأمَّن خوف الخائفين بحسن رجائه، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أحاط بكل شيء فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في أرضه وسمائه، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبد الله ورسوله، صفيه من خلقه وخيرته من أنبيائه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجه واهتدى بهديه واقتفى أثره إلى يوم الدين..

هو المختار من خير البرايا

هو الهادي البشيرُ هو الرسولُ

عليه من الـمهيمن كل وقتٍ

صلاةً دائما فيها القبولُ

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

أيّها المسلمون: لقد خلَق الله عبادَه، وسخَّر لهم ما في السّماوات وما في الأرض، وأسبغ عليهم نِعَمه ظاهرةً وباطنة، ليُفرِدوه سبحانه بالعبادةِ، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

ولقد بقِي الناس بعد آدَم عشرةَ قرونٍ يعبدون اللهَ وحدَه لا يشـركون به شيئًا، ثم إن الشيطان زيَّن لبعض الخلق عبادةَ الأصنامِ فعبَدوها، فأرسلَ الله الرسلَ، وأنزلَ معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وليرجِعوا إلى عبادةِ الله وحدَه.

لقد جاء محمد عليه الصلاة والسلام فجدد الملة الحنيفيةَ، وصدع بكلمة الحق مدوية في المشارق والمغارب، قائلا للناس: «كلمة واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم: لا إله إلا الله محمد رسول الله». إنها كلمة التوحيد، أصل الدين وقاعدته. لأجلها نصبت الموازين، ونشرت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار، وانقسم الناس فيها الى فريقين مؤمنين وكفار، ومتقين وفجار. إنها حق الله على العباد، وفي سبيلها تجرد سيوف الجهاد.

فإن أولى ما ينبغي أن يعطى من أهمية العلم والعمل هو أمر توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة، ولقد كانت عناية القرآن بتوحيد الله عظيمة فهو القضية الكبرى، ومهمة الرسل الأولى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]. ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45]. فالقرآن كله حديثٌ عن التوحيد، وبيان حقيقته والدعوة إليه، وتعليق النجاة والسعادة في الدارين عليه.

وكل نبي يقول لقومه: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59]. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25].

ومن صفات عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ [الفرقان:68]. ومن نعوت أهل الإيمان الموعودين بالتمكين في الأرض: ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55].

بل لقد خاطب الله أنبياءه ورسله بنبذ الشرك والبراءة من أهله والإعراض عنه وعنهم فقال عز وتبارك: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]. وقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:65-66]. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ [الرعد:36]. ﴿ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:106].

قال أهل العلم تعليقًا على هذه الآيات وأمثالها: فإذا كان يُنهى عن الشرك من لا يمكن أن يباشره فكيف بمن عداه؟؟ ولذا خاف الخليلُ عليه السلام من الشّرك، فدعا ربَّه وهو يبني الكعبةَ: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، وإذا كان الخليل عليه السلام يخشى على نفسه منَ الشرك فغيرُه أولى. قال إبراهيم التيمي: (ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم[1]؟!).

إن التوحيد: توحيدٌ في الاعتقاد، وتوحيدٌ في العبادة، وتوحيدٌ في التشريع. توحيدٌ تُنَقَّى به القلوب والضمائر من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله، وتُنَقَّى به الجوارح والشعائر من أن تُصرف لأحد غير الله، وتُنَقَّى به الأحكام والشرائع من أن تتلقاها من أحدٍ دون الله عز وجل، فاختصاص الله بالحكم دون شريك كاختصاصه بالعبادة في جميع أنواعها: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. فمن نازع الله في الحكم فقد نازعه حقا من حقوق العبادة: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40].

فالتوحيد هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وقطب رحاه، وذروة سنامه، في خاص الأمر وعامِّه، ولقد قامت عليه الأدلة، ونادت عليه الشواهد، وأوضحته الآيات، وأثبتته البراهين:

فيا عجبًا كيف يُعصَـى الإله

أم كيف يجحدُه الجاحدُ

وفي كل شيءٍ له آيةٌ

تدلُّ على أنه الواحدُ

التوحيد نُصبت عليه القبلة، وأُسست عليه الملة، ووجبت به الذمة، وعُصمت به الأنفس، وانفصلت به دار الكفر عن دار الإسلام، وانقسم به الناس إلى سعيدٍ وشقيٍّ ومهتدٍ وغوي.

وإن مِن رأفة الكريم الرحيم بخلقِه أنْ جعَل فِطَرهم موافقةً لما خلَقَهم له، فكلُّ مولودٍ يُولَد على فطرةِ إفراد الله بالعبادةِ، وأنه المعبودُ وحدَه دون مَن سواه، قال عز وجل: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30].

والشيطانُ يسعَى لإفسادِ فِطَر الخلقِ ليحرمَ العبادَ من رضا ربهم عنهم، ومنَ النعيم المُقيم المُعَدّ لهم في جنات عَدن، قال ﷺ: «قال الله عز وجل: إني خَلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطينُ فاجتالَتْهم عن دينِهم، وحرَّمَت عليهم ما أحلَلتُ لهم، وأمَرَتهم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا»[2].

يدعو إبليسُ الخلقَ إلى الوقوع في أعظم ذنبٍ يُعصَى الله به، سُئِل النبي: أيُّ الذنبِ أعظم؟ قال: «أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خَلَقَك»[3] فعَبَد كثيرٌ من الناسِ غيرَ الله، كما قال سبحانه: ﴿ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [هود:17].

ومِن آثار عدَم الإيمانِ أنّ كلَّ عملٍ يُعمل وإن كان صالحًا فإنّه لا يُثابُ عليه لفُقدان أصلِ الدين، قالت عائشةُ رضي الله عنها: يا رسول الله، إنّ ابن جُدعانَ كان في الجاهلية يصِلُ الرَّحِمَ ويُطعِم المسكين، فهل ذاك نافعُه؟ قال: «لا ينفعه؛ إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين»[4].

وهذا الذّنب سببٌ لسخَط الله وحلولِ الذِّلَّة والمسكنةِ لمن فعله، قال عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الأعراف:152]. وصاحبُه يتقلَّب في كُروبٍ وهمومٍ وأحزان، قال جلّ شأنُه: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]. ويمنعه من دخول الجنّة ويُخلِّدُه في النار، قال جلّ شأنُه: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72].

ولئلا يقَع العبادُ في شَرَك الشيطانِ ويُسخِطوا ربهم ويُخلَّدوا في النّار أرسلَ الله لكلِّ أمةٍ رَسولًا يُحذِّرهم من دَعوةِ الشيطان، ويأمرُهم بعبادةِ الرحمن، وأنزل الكتبَ، ودعا إليه في أكثرِ آياتِ القرآن، وجميعُ ما في القرآن دالٌّ عليه، وأوَّل أمرٍ في كتابِ الله هو الأمرُ به، قال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] أي: وحِّدوا ربَّكم، وأوّل نهيٍ يتلوه قارئُ القرآن هو النهيُ عن ضِدِّه، ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22].

وأعظمُ سورةٍ في كتابِ الله ما اشتَملت على التوحيد: سورة الفاتحة التي فيها: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وسورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وأعظم آيةٍ في كتابِ الله آية الكرسي: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255].

ولقد مَكَثَ النبي بعد بِعثته يدعو إلى توحيدِ الله عشرَ سنين، لا يدعو إلى شيءٍ سواه، ثم تتابَعَت عليه الشّرائع، فكان يدعُو إليها مع التّوحيد إلى مماته، وكان يقول في صباحِه ومسائِه: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلِمة الإخلاص، وعلى دينِ نبيّنا محمّد، وعلى ملّة أبينا إبراهيم حَنيفًا مسلِمًا وما كان من المشركين»[5].

وكان يستفتِح يومَه بالتوحيد، فيقرأ في ركعتي الفَجر بسورتي الكافرون والإخلاص[6]، ويختمه به، فيقرأ في الشفع والوِتر بالكافرون والإخلاص[7].

أتى أعرابيٌّ إلى النبيِّ فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عمِلتُه دَخلتُ الجنةَ؟ قال: «تعبُد اللهَ ولا تُشـرِك به شيئًا، وتُقيم الصلاة المكتوبةَ، وتُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ، وتصوم رمضانَ»[8].

وكان يأمُر أصحابَه أن يُبايعوه على عبادةِ الله وحدَه، قال عوف بن مالك رضي الله عنه: كنّا عندَ رسول الله، ثم قال: «ألا تُبايِعون رسول الله؟» قلنا: فعَلامَ نُبايعُك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، والصلواتِ الخمس»[9].

وإذا بعَث الدعاةَ إلى الأمصار يأمُرهم أن يبدؤوا بالدعوةِ إلى التوحيد، بعثَ مُعاذًا إلى اليمن وقال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أوّلَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله»[10].

وإذا جاءَه وفدٌ من الوُفود علَّمَهم التوحيدَ، فحين أتاه وفدُ عبد القَيس قال لهم: «ألا تدرون ما الإيمان بالله وحده؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله» الحديث[11].

ولقد خاف الرسلُ على أبنائهم اتباعَ الشيطان بالشـرك وعبادةِ الأصنام، قالَ الخليل عليه السلام: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]. والنبيُّ خافَه على أمَّته، فقال: «أخوفُ ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسُئِل عنه، فقال: «الرياء»[12].

وهو من حقِّ الله على العباد، قال ﷺ: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟» قال: الله ورسوله أعلم، قال: «حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا»[13].

ويُقرِّب العبدَ من الجنّة ويُباعِده من النار، جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ فقال: يا رسول الله، أخبرني بما يُقرِّبني من الجنّة ويُباعدني من النار، فنظر النبيُّ في أصحابه، ثم قال: «لقد وُفِّق» أو: «لقد هُدِي»، قال: «كيف قلتَ؟»، قال: فأعاد، فقال النبي: «تعبدُ الله ولا تُشركُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصِل الرحِم»[14].

ولا سعادةَ في الدنيا والآخرةِ إلا به، قال ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله تُفلِحوا»[15].

ومن كانت خاتِمتُه عليه دخلَ الجنة، قال ﷺ: «من كان آخرَ كلامه: لا إله إلا الله عند الموتِ دخل الجنة»[16]. ومن مات عليه دخَل الجنةَ ونجا من النار، قال ﷺ: «من لقِيَ الله لا يُشرك به شيئًا دخل الجنّة، ومن لقِيَه يُشرك به دخلَ النار»[17].

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، وبعد:

أيّها المسلمون:

إن الله لم يخلق الخلقَ ليتقوَّى بهم من ضعف، ولا ليعتزَّ بهم من ذلةٍ، ولا ليستكثر بهم من قلة. فهو المنعم المتفضل، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿١٥﴾ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [فاطر:15-16] سبحانه هو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير، خلقهم لعبادته وطاعته، ليعبدوه ولا يشركوا به شيئا.

وإن التوحيدُ أعظمُ ما تزكو به النفوسُ، ولا يتحقَّق إلا بالكُفر بجميع ما يُعبَد من دونِ الله، وهو معنى الشهادَة، قال ﷺ: «من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يُعبَد من دون الله حرُمَ مالُه ودمُه وحِسابه على الله»[18].

ومن حقَّق التوحيدَ فُرِّجَت كُروبُه، ونال رِضا ربّه، وقُبِلت أعماله، وضُوعِفَت أجورُه، وكانت حياتُه طيّبةً، وغُفِرت ذنوبُه، ودخل الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ. ولا نعمةَ أعظَم من نعمةِ الدين والثباتِ عليه.

وإن أعمالُ المُوحِّدين تتفاضلُ بتفاضُل ما في القلوبِ من الإيمانِ والإخلاصِ، وأعزُّ ما يملِك المسلِم هو توحيدُه لربّه، وأهمّ ما عليه حِفاظه عليه من البُطلان أو القوادح أو النواقص الواردة عليه، قال ابن القيم رحمه الله: (التوحيدُ ألطَف شيءٍ وأنزهُه وأنظفه وأصفَاه، فأدنى شيءٍ يخدِشُه ويُدنِّسُه ويُؤثِّر فيه، فهو كأبيض ثَوبٍ يُؤثِّر فيه أدنى أثَر، وكالمرآة الصافيَة جدًّا أدنى شيءٍ يُؤثِّر فيها)[19].

ليس للقلوب سرور وليس للصدور انشراح إلا في توحيد العبادة، وإخلاص المحبة، وتمام الذل والخضوع، وصرف البصـر والبصيرة عن الالتفات إلى ما سوى الله ذي الجلال والإكرام.

فيه يكون الولاء والبراء، والحب والبغض، والمودة والعداء. يضعف كل رباط إلا رباط العقيدة، وتضمحل كل وشيجة إلا وشائج الحب في الله. رابطة الإيمان يتهاوى دونها كل صلة بعرق أو تراب أو لون.

أيها الأحبة: وإن توحيد الاعتقاد يتبعه توحيد العمل والاستقامة في الاتباع، لا تقوم العقيدة بصفائها إلا حين نقارنها بالعمل الصالح، وإسلام الوجه لله والإحسان في العمل.

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ [لقمان:22]. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [النساء:125].

عباد الله: من أهم المهمات وأوجب الواجبات تعليمُ الأبناءِ أصل دينهم وسؤالهم الدائِمُ عنه هو نهجُ الرسل، يعقوبُ عليه السلام وهو في نَزع الروح يسأل أبناءَه عن توحيدهم، ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133]. ونبيُّنا محمّد يسأل جاريةً صغيرةً: «أين الله؟» قالت: في السماء[20].

ومُدارسةُ كتبِ الاعتقادِ السليمة ومُلازمة حِلَق أهلِ العلم من أسباب الثبات على الدين، لأن فيها معرفة كلام الله ورسوله، واللذين فيهما العصمة، كما قال ﷺ: «وقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتُم به، كتابَ اللهِ وسنّتي»[21].

إن من أجلّ الأعمال وأعظمها عند الله تعالى دعوة الناس إلى التوحيد وغرسه في نفوسهم؛ ومن لطيف ما يُشار إليه في هذا المقام: قصة هدهد سليمان، الذي كان سببًا في هداية أمة من الأمم، وهو طائر صغير قد لا يؤبه له، ولقد نوَّه الله بذكره وخلّد قصته في القرآن مع قصة نبيه سليمان، لشرف خبره وعظيم أثره، حيث جاء بالنبأ اليقين: ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23] أي: مما يحتاجه الملوك من العظمة والفخامة، ولكنه رأى أمرًا عجبًا فاستنكره قائلًا: ﴿ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ... لَا يَهْتَدُونَ [النمل:24] ثم أثبت صدق النبأ، وأوصل رسالة سليمان إلى بلقيس في بلاد سبأ، فكان سببًا في هدايتهم أجمعين، وإسلامهم لله رب العالمين.

إن الموحد لله تكون مشاعر قلبه وخلجات ضميره مرتبطة بربه مؤتمرة بأوامره، منتهية عن نواهيه، يحل ما أحل الله ويحرم ما حرم الله، يقف عند حدوده منتصب القامة مرتفع الهامة، لا يركع ولا يسجد ولا ينحني إلا لله رب العالمين، لا يخاف إلا الله، ولا يرجو سواه، ولا يطمع فيما عند الخلق، ولا يتذلل لهم رغبةً أو رهبة، فهو أهنأ الناس حياة، وأصلحهم بالًا، وأرغدهم عيشًا، وأكثرهم طمأنينة وأمنًا: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

نسأل الله تعالى التوفيق لتوحيده، وذكره وشكره وحسن عبادته، والثبات على طريقه، والديمومة على مرضاته.

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة