الحمد لله، أحمده حمدًا يليق بجلال وجهه وعظمة سلطانه كما يحمده المتقون، وأشكره شكرًا يزيد نعمه التي لا يحصيها العادُّون، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ لاذ بحماهُ الخائفون، وتعلق بأذيال رجائه الراجون، وألحَّ في سؤاله السائلون. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ أدبه ربه فأحسن تأديبه، ثم أثنى على خُلقه فكان خلقه القرآن، يتلوه في النهار، ويتجافى جنبه عن مضجعه والناس نيام، ﷺ وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، كانوا في النهار فرسانًا، وفي الليل قيامًا، يقنتون لربهم ويسجدون، ويتعبدون ويخشعون؛ والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله واستباق الخيرات، والمسارعة في الباقيات الصالحات، ومجانبة المعاصي والمحرمات، والصبر على المكروهات، ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف:90].
أيها الإخوة المؤمنون: الأخلاق الكريمة، والصفات الحسنة، لها اعتبار كبير في دين الله تعالى، وإذا كانت العلاقة بين الخالق والمخلوق تُبنى على الإيمان والإخلاص والمتابعة للنبي ﷺ؛ فإن علاقات المخلوقين فيما بينهم يُبنى أغلبها على أساس الأخلاق والسلوك؛ لذا أخبر ﷺ أن البر حسن الخلق.
بل جعل النبيُّ حسنَ الخلق من أبواب الخيرية، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا»، وكان يقول: «إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا»[1].
وأخبر عليه الصلاة والسلام أن حسن الخلق أفضلُ ما أعطي المسلم، فعن أسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: «حسن الخلق»[2].
ما كان هذا الاهتمام منه ﷺ بحسن الخلق إلا لعظم منزلته عند الله تعالى، كيف لا وهو سببٌ للقرب من الله تعالى، ونَيْل محبته؟! فعن أبي ثعلبة الخُشْني رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكُم منِّي مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنَكُم أخلاقًا»[3]. وقال عليه الصلاة والسلام: «أحَبُّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ أحسَنُهُمْ خُلُقًا»[4].
وحسن الخلق كذلك طريقٌ يوصل إلى كمال الإيمان؛ قال ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»[5].
ويعظم شأن الأخلاق الحسنة حتى يكون صاحبها في عبادة دائمة يعادل درجة الصائم القائم، مع أنه قد لا يكون مجتهدًا في نوافل العبادات، لكن تقصيره في جانب النوافل يجبره دماثة خُلقه وطيب معشره، فأدرك بذلك من الأجر ما يدركه الصائم الذي لا يُفطر والقائم الذي لا يفتر، يقول ﷺ: «إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ»[6].
والأخلاق الحسنة تثقل ميزان العبد في وقت يكون أحوج ما يكون إلى مثقال الذرة من الأجر؛ بل صحَّ في الحديث أن حسن الخلق هو أثقل الأعمال الصالحة في الميزان، قال عليه الصلاة والسلام: «ما شيءٌ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن»[7].
وحسن الخلق كذلك من أقوى الأسباب التي تُدخل الجنة، فقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام: ما أكثر ما يُدخلُ الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله، وحسنُ الخلق». قيل: فما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال: «الجوفان: الفم والفرج»[8].
ويُعطَى صاحبُ الخلق الحسَن بيوتًا في أعلى الجنة ووسطها وربضها؛ جزاءً لترقِّيه في معالي الأخلاق ومكارمها، فقد روى أبو أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا زعيم ببيت في ربَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه»[9]، فهنيئًا لمن جمع هذه البيوت كلها، والتي هي جزاء لصفات يجمعها الخُلق الحسن.
وقد ورد أن المرأة إذا تزوجت عدة مرات في الدنيا، نتيجة وفاة أزواجها أو طلاقها منهم، فإذا دخلت الجنة ودخل أزواجها الجنة فإنها تُخيّر، فتختار أحسنهم خلقًا.
أيها الإخوة: إن استعراضُ النصوص الدالةِ على فضل حسن الخلق، ومكانته في الإسلام، وتعداد مزاياه، لا يكفيه وقت قليل، ولا يتسع له هذا المقام؛ لكن هذا غيض من فيض، وتلك أمثلة تنير الطريق للسائرين، وتوضح الدرب للسالكين، على أنه لم يتوقف فضل حسن الخلق على ما يكون في الآخرة من الثواب والجزاء؛ بل شمل الدنيا أيضًا؛ فمُلْكُ قلوب الناس، ونيلُ محبتهم إنما يكون بالأخلاق الحسنة، قال الأشعث بن قيس يومًا لقومه - وكان سيدهم-: (إنما أنا رجل منكم، ليس فيَّ فضلٌ عليكم؛ ولكني أبسط لكم وجهي، وأبذلُ لكم مالي، وأقضي حقوقكم، وأحوطُ حريمكم، فمن فعل مثل فعلي فهو مثلي، ومن زاد عليَّ فهو خير مني، ومن زدت عليه فأنا خير منه، قيل له: يا أبا محمد، ما يدعوك إلى هذا الكلام؟ قال: أحضُّهم على مكارم الأخلاق. وقد ذهب الخلق الحسن بخيري الدنيا والآخرة).
إذا تقرر هذا الفضل في الخلق الحسن فما هو؟ وما كيفية إدراكه؟ حتى يحصلَ المسلم على ثوابه؟!
سئل الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - عن حسن الخلق فقال: (أن لا تغضب ولا تحتدَّ)، وقال أيضًا: (أن تحتمل ما يكون من الناس).
وإنما جعل حسن الخلق في عدم الغضب والحدة؛ لأن الغضب والحدة يولدان الاعتداء باليد، والجرح باللسان سبًا وشتمًا، وقد يولدان الغيبة والنميمة والكذب، وكل ذلك يتنافى مع حسن الخلق. وقال الحسن وابن المبارك -↓ تعالى-: (هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكفّ الأذى)، وقال الواسطي - رحمه الله تعالى -: (هو أن لا يخاصِم ولا يخاصَم، من شدة معرفته بالله).
ونقل الحافظ ابن رجب عن بعض أهل العلم قوله: (حسنُ الخلق: كظم الغيظ لله، وإظهارُ الطلاقة والبِشْر إلا للمبتدع والفاجر - المجاهر بفجوره-، والعفوُ عن الزالين إلا تأديبًا أو إقامة حدٍّ، وكف الأذى عن كل مسلم أو مُعاهد، إلا تغييرًا لمنكر، أو أخذًا بمظلمة لمظلوم، من غير تعدَّ).
قال السفاريني: (وهذا في غاية التحقيق... ثم ذكر أن من حسن الخلق: أن يحبّ للمسلمين ما يحب لنفسه، وأن يتواضع لهم، ولا يفخر عليهم، ولا يختال... ولا يتكبر ولا يعجب، وإن تكبر عليه غيره فليحمل منه ذلك، ويعامله باللين، ويغض الطرف عن أهل الرقاعة من المتكبرين، وأن يوقر الشيخ الكبير، ويرحم الطفل الصغير، ويعرف لكل ذي حق حقه، مع طلاقة الوجه، وحسن التلقي، وداوم البشر، ولين الجانب، وحسن المصاحبة، وسهولة الكلمة، مع إصلاح ذات بين إخوانه، وتفقد أقرانه وأخدانه، وأن لا يسمع كلام الناس بعضهم في بعض، وأن يبذل معروفه لهم لوجه الله، لا لأجل غرض، مع ستر عوراتهم، وإقالة عثراتهم، وإجابة دعواتهم، وأن لا يقف موقف التُّهَم، وأن يحلم عمن جهل عليه، ويعفو عمن ظلمه... ) اهـ.
أيها الإخوة: هذا وزنُ حسن الخلق في دين الله تعالى، وهذه حدودُ الأخلاق الحسنة وصفاتها؛ فليزن كلٌ منا أخلاقه بميزانها، فمن كان سيء الخلق أو ضعيفًا يتعامل فقط حسب ما يعامله الآخرون، فليحسن خلقه، ومن كان ذا خلق حسن فليحمد الله تعالى، ويسأله الثبات.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿٣٥﴾ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [فصلت:34-36].
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجهم، واقتفى أثرهم، إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا عباد الله! اتَّقوا الله وحسِّنوا أخلاقكم؛ فإن أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، والبذاءة والفحش وسوء الخلق تدل على قلة التقوى.
حسن الخلق هو: بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى. وقيل: التخلي من الرذائل، والتحلي بالفضائل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام، والإكرام، والدعاء له، والاستغفار، والثناء عليه، والزيارة له. وتعطي من حرمك من التعليم، والمنفعة، والمال. وتعفو عمن ظلمك في دم، أو مال، أو عرض. وبعض هذا واجب، وبعضه مستحب). وقال ابن القيم: (وحسن الخلق يقوم على أربعة أركان، لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر، والعفة، والشجاعة، والعدل).
وقال الماوردي في تعريف حسن الخلق، ووصف حسن الخلق: (أن يكون سهل العريكة، لين الجانب، طليق الوجه، قليل النفور، طيب الكلمة).
وقال الشيخ ابن سعدي في حسن الخلق: (هو خلق فاضل عظيم، أساسه الصبر، والحلم، والرغبة في مكارم الأخلاق، وآثاره العفو، والصفح عن المسيئين، وإيصال المنافع إلى الخلق أجمعين، فهو احتمال الجنايات، والعفو عن الزلات، ومقابلة السيئات بالحسنات، وقد جمع الله ذلك في آية واحدة وهي قوله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف:199]).
أيها المؤمنون: لقد كان نبيكم وحبيبكم وقدوتكم ﷺ أحسن الناس أخلاقًا، وألطفهم معشرًا، وأكثرهم عفوًا، وأوسعهم حلمًا، كما قال ربه عنه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم:4]، وقال عنه في تعامله مع أصحابه: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران:159]. وإن من أهداف بعثته عليه الصلاة والسلام الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة، كما قال في الحديث: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»[10].
وقد أمر رسول الله ﷺ بلزوم الأخلاق الحسنة، ومجاهدة النفس على التحلي بها، وليس عذرًا لصاحب الخلق السيء أن يقول: طبعٌ جُبلت عليه؛ إذ إن من الأخلاق ما هو مكتسب يؤخذ بالدّربة والرياضة؛ ودليل ذلك أن النبي ﷺ قال لمعاذ: «أفْشِ السَّلامَ وابذُلِ الطَّعامَ، واستحْيِ من اللهِ استحياءَك رجلًا من أهلِك، وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولتُحسِّنْ خُلقَك ما استطعتَ»[11]، وفي حديث آخر قال له: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»[12]. فهذا يدل على أن منه ما هو مكتسب يربي الإنسان نفسه وأهله وأولاده عليه، وكذا أن لا يكون الخُلق فقط بناءً على تعامل الناس، فإن أساؤوا أساء، وإن أحسنوا أحسن، بل قال: «وخالق الناس بخلق حسن»، كيفما كان تعاملهم، بل حتى المسـيء منهم قال الله عنه: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت:34].
واسمعوا إلى هذا الكلام الجميل من الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى -، حيث قال: (وقوله ﷺ: «وخالق الناس بخلق حسن» هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه؛ فإن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده، فنص له على الأمر بإحسان العشرة للناس، فإنه كان قد بعثه إلى اليمن معلمًا لهم ومفقهًا وقاضيًا، ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره ممن لا حاجة للناس به ولا يخالطهم. وكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته، إهمالُ حقوق العباد بالكلية، أو التقصير فيها، والجمعُ بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًا، لا يقْوَى عليه إلا الكُمَّلُ من الأنبياء والصدِّيقين).
أيها الإخوة: كم يحتاج الناس منا إلى حسن الخلق! إننا لن نسَع الناس بأموالنا ولا بجاهنا، ولكن يسعهم منا حسنُ أخلاقنا؛ لا يريد من يتعامل معنا منا إلا الكلمة الطيبة، والابتسامة الجميلة، والتعامي عن الهفوة، وتلمس العذر.
قال أيوب: (لا ينبل الرجل حتى يكون فيه خصلتان: العفة عمّا في أيدي الناس، والتجاوز عنهم). وقال سلمة بن دينار: (السيئُ الخلق أشقى الناس به نفسُهُ التي بين جنبيه، هي مِنه في بلاء، ثم زوجتُهُ، ثم ولدُهُ، حتى أنه ليدخل بيته، وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته، فينفرون منه فرَقًا منه).
يحتاج إلى حسن أخلاقنا والِدانا حتى نحقق برّهما ونحوز رضاهما، ومِن أحق الناس بحسن أخلاقنا أهلونا وأولادُنا حتى نعينهم على القيام بحقنا وبرنا، كما يحتاجه إخواننا وقراباتُنا حتى تدوم المودة، وتتحقق الصلة؛ وحسنُ الأخلاق مع الجيران هو من إكرام الجيران، والنبي ﷺ يقول: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِم جاره»[13].
ومن أشدِّ الناس حاجة إلى الأخلاق الحسنة من يكثر تعاملهم مع الناس، وتشتدُ حاجة الناس إليهم، من العلماء، وطلاب العلم؛ لحاجة الناس إليهم في الفتيا والسؤال عن أمور الدين، والقضاء؛ لفصلهم في النزاعات والخصومات، والمسؤولون والمدراء، لكثرة تعامل من هم تحت إدارتهم معهم.
ويجب أن يتحلى بالخلق الحسن من كان في مواجهة جماهير الناس، وتشتدُ الحاجة إليهم، كالأطباء والموظفين في الدوائر التي يكثر مراجعوها؛ فعليهم بالصبر واللين، والمداراة والرفق، وأن يُحسِّنوا أخلاقهم للناس، ولا تكن كثرةُ المراجعين سببًا لسوء أخلاقهم؛ فذلك امتحانٌ لهم، ولا شك أنهم ليسوا كغيرهم في الثواب والأجر.
كم من موظف مسؤول نال محبة الله والناس بحسن أخلاقه! وكم من آخر مبغوض عند الله والناس لسوء خلقه، وحدّة لسانه وقلة صبره!
وكم من موظف دخلتَ عليه في حاجة لك فربما عجز عن قضائها لك؛ لكنه أزال ما في قلبك، وشفى صدرك بكلمة طيبة، واعتذار لطيف، واستقبال حسن، وآخر لا هو الذي قضى معروفا، ولا ردّ ردًّا لطيفًا، وصدق القائل:
| لا خيل عندك تهديها ولا مالُ |
| فليَحسُنِ النطقُ إن لم يحسن الحالُ |
كم من موظف كانت لك عنده حاجة فقضاها، مع ابتسامة جميلة، وكلمة طيبة، ومبادرة لطيفة، وتواضع جمّ، فنال عندك حسن الثناء والدعاء، وعند الله الثواب والجزاء، وتجد آخر عبوس الوجه، مقطب الجبين، إذا نظر نظر شزرًا، وإذا تكلم تمطط في كلامه، يلقي إليك أوراقك بطرف أصابعه، كأنما ينفق عليك أو يرزقك، بل ربما سد الأبواب في وجهك ليُخرج بغير حق ما في جيبك، ويضطرك للرشوة عدوانًا وظلمًا، فعسَّر عليك ما كان يسيرًا، وحجّر من الأمر ما كان واسعًا، وكلّفك مالًا بغير وجه حق، فأكل السُّحت، وباء بالظلم والإثم، وما علم أنه إنما أكل في بطنه نارًا، واستحق بما جناه عارًا، وكفاه دعوة النبي نكالًا وبوارًا، فقد قال ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به»[14].
قام عمر بن عبد العزيز إلى قائلته -أي: نومة القيلولة- فعرض له رجل بيده طومار -صحيفة مطوية داخل اسطوانة- وخاف أن يدخل بيته قبل أن يقضي حاجته، فرماه بالطومار، فالتفت عمر، فوقع في وجهه فشجَّهُ، فقام عمر في الشمس والدماء تسيل على وجهه، ولم يبرح حتى قرأ الطومار، وأمر للرجل بحاجته، وخلَّى سبيله.
إنك أيها الحبيب مُختبر مُمتحَن في هذه الحياة، فاختر لنفسك ما شئت، وأحب للناس ما تحب لنفسك، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك به، واعلم بأنه لا يبقى للعبد في الدنيا إلا الذكر الجميل، وعند الله الثواب الجزيل، فكن حسن الأخلاق مع الناس؛ حتى تنال محبة الله تعالى ومحبتهم، وتذكر بخير حيًا وميتًا.
| فإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيَت |
| فإن همُ ذهبَتْ أخلاقهم ذهبوا |
اللهم كما حسنت خَلْقنا فحسن أخلاقنا، اللهم صلِّ على محمد وآله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
صاحب هذه الخطبة
الشيخ / إبراهيم بن محمد الحقيل