المذهب الحنفي: رد المحتار على الدر المختار (6/ 480).
(وهو مضمون إذا هلك بالأقل من قيمته ومن الدين) وعند الشافعي: هو أمانة (والمعتبر قيمته يوم القبض) لا يوم الهلاك، كما توهمه في الأشباه؛ لمخالفته للمنقول، كما حرره المصنف.
(المقبوض على سوم الرهن إذا لم يبين المقدار) أي: مقدار ما يريد أخذه من الدين (ليس بمضمون في الأصح) كذا في القنية والأشباه، (فإن) هلك و (ساوت قيمته الدين صار مستوفيًا) دينه (حكمًا، أو زادت كان الفضل أمانة) فيضمن بالتعدي (أو نقصت سقط بقدره ورجع) المرتهن (بالفضل)؛ لأن الاستيفاء بقدر المالية (وضمن) المرتهن (بدعوى الهلاك بلا برهان مطلقًا) سواء كان من أموال ظاهرة أو باطنة، وخصه مالك بالباطنة (وله طلب دينه من راهنه، وله حبسه به وإن كان الرهن في يده؛ لأن) الحبس جزاء مطله (وله حبس رهنه بعد الفسخ) للعقد (حتى يقبض دينه أو يبرئه)؛ لأن الرهن لا يبطل بمجرد الفسخ، بل يبقى رهنًا ما بقي القبض والدين معًا...
قوله: (وهو مضمون....) إلخ، يعني: أن ماليته مضمونة، وأما عينه فأمانة.
قال في الاختيار: ويهلك على ملك الراهن حتى يكفنه؛ لأنه ملكه حقيقة، وهو أمانة في يد المرتهن، حتى لو اشتراها لا ينوب قبض الرهن عن قبض الشراء؛ لأنه أمانة فلا ينوب عن قبض الضمان، وإذا كان ملكه فمات كان كفنه عليه اهـ حموي على الأشباه. واحترز عما إذا استهلكه فإنه يضمن جميعه، كما يأتي بيانه، وأطلقه فشمل ما إذا شرط عدم الضمان لو ضاع، فالرهن جائز، والشرط باطل، ويهلك بالدين، كما في الخلاصة وغيرها، وشمل ما لو نقص بعيب.
ففي جامع الفصولين: لو رهن قِنًّا فأبَقَ سقط الرهن، فلو وجده عاد رهنًا ويسقط من الدين بحسابه لو كان أول إباقه، وإلا فلا يسقط شيء اهـ وسيجيء آخر الرهن، وشمل الرهن الفاسد أيضًا فإنه يعامل معاملة الصحيح، على ما يأتي بيانه في آخر الرهن.
تنبيه:
ذكر في الفصل الثلاثين من العمادية: لو رهن عبدين بألف وهلك أحدهما وقيمة الهالك أكثر من الدين لا يسقط كل الدين بهلاكه، بل يقوم الدين على قيمة الحي وقيمة الهالك، فما أصاب الهالك يسقط، وما أصاب الباقي يبقى، وكذا إذا رهن دارًا بألف وخربت يقسم الدين على قيمة البناء وقيمة العرصة يوم القبض، فما أصاب البناء يسقط، وما أصاب العرصة يبقى، كذا في المبسوط اهـ.
وبيانه ما في التتارخانية: رهن فروًا قيمته أربعون درهمًا بعشرة دراهم، فأكله السوس، فصار قيمته عشرة فإنه يفتكه بدرهمين ونصف اهـ، أي: لأن الهالك ثلاثة أرباع الرهن فيسقط من الدين بقدره، كما في البزازية، فليحفظ ذلك، فإنه يخفى على كثير.
وسيذكر آخر الباب الآتي: لو ذهبت عين الدابة يسقط ربع الدين ويأتي بيانه، وسيأتي أن نقصان السعر لا يوجب سقوط الدين، بخلاف نقصان العين، وأن نماء الرهن الذي صار رهنًا تبعًا يهلك مجانًا، إلا إذا هلك بعد هلاك الأصل، ويأتي بيان الجميع إن شاء الله تعالى، قوله: (بالأقل من قيمته ومن الدين) قال في النهاية: وفي بعض نسخ القُدُوري: "بأقل" بدون الألف واللام، وهو خطأ، واعتبر هذا بقول الرجل: "مررت بأعلم من زيد وعمرو" يكون الأعلم غيرهما، ولو كان: "بالأعلم من زيد وعمرو" يكون واحدًا منهما، فكلمة "من" للتمييز اهـ.
وقال في الموصل شرح المفصل: إن "من" هذه ليست "من" التفضيلية التي لا تجامع "اللام"، وإنما هي "من" التبيينية في قولك: "أنت الأفضل من قريش"، كما تقول: "أنت من قريش" اهـ شرنبلالية، فالمراد أنه لو كانت القيمة أقل من الدين أو بالعكس فهو مضمون بالأقل منهما الذي هو أحدهما، ولو قيل: "بأقل" منَكَّرًا اقتضى أنه يضمن بشيء ثالث غيرهما هو أقل منهما، وليس بمراد، إلا أن يقال كما في القهستاني: أي: بدين أو بقيمة أقل من قيمته أو من الدين مرتبًا، فكلمة "من" تفضيلية، والمفضل الدين أولًا والقيمة ثانيًا، والمفضل عليه بالعكس اهـ.
فالمعنى: بدين أقل من قيمته، أو بقيمة أقل من الدين، ولا يخفى ما فيه، قوله: (وعند الشافعي: هو أمانة) أي: كله له أمانة في يد المرتهن، لا يسقط شيء من الدين بهلاكه، وتمام الكلام في المطولات، قوله: (والمعتبر قيمته يوم القبض) قال في الخلاصة: وحكم الرهن أنه لو هلك في يد المرتهن أو العدل ينظر إلى قيمته يوم القبض وإلى الدين، فإن كانت قيمته مثل الدين سقط الدين بهلاكه... إلخ.
وقال الزيلعي: يعتبر قيمته يوم القبض، بخلاف ما لو أتلفه أجنبي فإن المرتهن يضمن قيمته يوم هلك باستهلاكه، وتكون رهنًا عنده، وتمامه في المنح.
زاد في شرح الملتقى: والقول فيها للمرتهن والبينة للراهن، قوله: (لا يوم الهلاك كما توهمه في الأشباه) أي: في بحث "ثمن المِثْل" من الفن الثالث.
أقول: يمكن حمل ما في "الأشباه" على ما إذا استهلكه المرتهن؛ ولذا قال الرملي بعد كلام: وأنت إذا أمعنت النظر ظهر لك الفرق بين الهلاك والاستهلاك، فقطعت في صورة الهلاك بأن المعتبر قيمته يوم القبض، وفي صورة الاستهلاك يوم الهلاك؛ لوروده على العين المودعة. اهـ.
قوله: (إذا لم يبين المقدار) أما لو بين يكون مضمونًا، وصورته: أخذ الرهن بشرط أن يقرضه كذا، فهلك في يده قبل أن يقرضه، هلك بأقل من قيمته ومما سمي له من القرض؛ لأنه قبضه بسوم الرهن، والمقبوض بسوم الرهن كالمقبوض بسوم الشراء إذا هلك في المساومة ضمن قيمته، كذا في شرح الطحاوي، حموي، قوله: (كذا في القنية) ونصها: المقبوض على سوم الرهن إذا لم يبين المقدار الذي به رهنه وليس فيه دين لا يكون مضمونًا على أصح الروايتين.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: يعطيه المرتهن وما شاء.
وعن محمد: لا أستحسن أقل من درهم.
وعن أبي يوسف: إذا ضاع فعليه قيمته اهـ.
أقول: وهذه مسألة الرهن بدين موعود، وسيذكرها المصنف في الباب الآتي أيضًا.
قوله: (فإن هلك...) إلخ الأَوْلَى تقديمه على قوله: "المقبوض على سوم الرهن"؛ لأنه من تمام ما قبله ط.
وبيان ذلك إذا رهن ثوبًا قيمته عشرة بعشرة، فهلك عند المرتهن سقط دينه، ولو قيمته خمسة رجع على الراهن بخمسة أخرى، ولو خمسة عشر فالفضل أمانة كفاية، وأطلق الهلاك فشمل ما لو كان بعد قضاء الدين فيسترد الراهن ما قضاه من الدين؛ لأنه تبين بالهلاك أنه صار مستوفيًا من وقت القبض السابق، بزازية وغيرها، ويأتي آخر الرهن، قوله: (يضمن بالتعدي) فلو رهن ثوبًا يساوي عشرين درهمًا بعشرة فلبسه المرتهن بإذن الراهن فانتقص ستة ثم لبسه بلا إذن فانتقص أربعة ثم هلك وقيمته عشرة يرجع المرتهن على الراهن بدرهم واحد من دينه ويسقط تسعة؛ لأن الثوب يوم الرهن كان نصفه مضمونًا بالدين ونصفه أمانة، وما انتقص بلبسه بالإذن وهو ستة لا يضمن، وما انتقص بلا إذن وهو أربعة يضمن ويصير قصاصًا بقدره من الدين، فإذا هلك وقيمته عشرة نصفه مضمون ونصفه أمانة فبقدر المضمون يصير المرتهن مستوفيًا دينه ويبقى له درهم يرجع به على الراهن، ظهيرية وخانية ملخصًا، قوله: (وضمن بدعوى الهلاك بلا برهان) كذا في الدرر وشرح المجمع الملكي، وظاهره: أنه يضمن قيمته بالغة ما بلغت، وأنه لا يصدق بلا برهان، وأنه بإقامته ينتفي الضمان، وهذا مذهب الإمام مالك.
أما مذهبنا: فلا فرق بين ثبوت الهلاك بقوله مع يمينه أو بالبرهان، وهو في الصورتين مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، كما أوضحه في الشرنبلالية عن الحقائق، وبه أفتى ابن الحلبي، ومثله في فتاوى الكازروني وفي فتاوى المصنف.
وقد زل قدم العلامة الرملي في ذلك -تبعًا للمصنف هنا- فأفتى بضمان القيمة بالغة ما بلغت، كما هو مسطور في فتاواه، وصرح بذلك أيضًا في حاشية المنح.
وممن رد عليه صاحب الفتاوى الرحيمية -تبعًا لشيخه الشرنبلالي- فقال: هذا مخالف للمذهب رأسًا واحدًا، والرجوع إلى الحق أحق.
قوله: (ظاهرة) كالحيوان والعبيد والعقار، أو باطنة كالنقدين والحلي والعروض، درر، قوله: (وخصه مالك بالباطنة) أي: خص الضمان بالأموال الباطنة؛ للتهمة، غرر الأفكار، قوله: (وله حبسه به) أي: حبس الرهن بالدين، قوله: (للعقد) أي: عقد الرهن، قوله: (لا يبطل بمجرد الفسخ) بل لا بد معه من رده على الراهن، قوله: (بل يبقى على الرهن رهنًا) أي: مضمونًا، فلو هلك في يده سقط الدين إذا كان به وفاء، هداية، قوله: (ما بقي القبض والدين معًا) أي: قبض الرهن في يد المرتهن والدين في ذمة الراهن، وانى، قوله: (فإذا فات أحدهما) بأن رد الرهن أو أبرأه من الدين لم يبق رهنًا فيسقط الضمان؛ لأن العلة إذا كانت ذات وصفين يعدم الحكم بعدم أحدهما.
ويرد عليه ما لو هلك قبل التسليم وبعد قضاء الدين ويضمن ويسترد الراهن ما قضاه، كما مر ويأتي، وجوابه مع ما فيه في العناية.
المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (3/ 253-256).
شروط ضمان الرهن وهي ثلاثة، بقوله: (وضمنه مرتهن إن كان بيده) لا بيد أمين (وكان مما يغاب عليه) كحلي وسلاح وثياب وكتب من كل ما يمكن إخفاؤه وكتمه لا حيوان وعقار (ولم تشهد بينة) أو شاهد مع يمين (بكحرقه) أو سرقته أو تلفه؛ لأن الضمان للتهمة عند ابن القاسم، فيضمن مع الشروط المذكورة (ولو شرط) المرتهن في عقد الرهن (البراءة) أي: عدم الضمان؛ لأنه من إسقاط الشيء قبل وجوبه والتهمة موجودة، خلافًا لأشهب القائل بعدم الضمان عند الشرط (أو علم احتراق محله) المعتاد وضعه فيه وادعى حرقه مع متاعه فيضمن؛ لاحتمال كذبه (إلا ببقاء بعضه محرقًا) مع علم احتراق محله فلا ضمان، وقوله: "محرقًا" فرض مسألة أي: معطوبًا محرقًا، أو مقطوعًا، أو مكسورًا، أو مبلولًا (وأفتى) أي: أفتى الإمام الباجي (بعدمه) أي: عدم الضمان (في العلم) أي: علم احتراق محل الرهن المعتاد وضعه فيه وادعى المرتهن أنه كان به؛ إذ لو ثبت أنه كان به لم يضمن اتفاقًا، وفتوى الباجي ضعيفة (وإلا) بأن لم يكن بيده بل بيد أمين أو تركاه في موضعه، كثمار بشجرة وزرع بأرضه، أو كان الرهن بيد المرتهن وهو مما لا يغاب عليه، كدور وعبيد، أو شهدت بينة بكحرقه أو وجد بعضه محرقًا مع علم احتراق محله، أو علم احتراق المحل الموضوع فيه الرهن فقط على ما للباجي (فلا) ضمان على المرتهن (ولو اشترط) الراهن على المرتهن (ثبوته) أي: الضمان عليه (إلا أن يكذبه عدول) وكذا عدل وامرأتان فيما يظهر (في دعواه موت دابة) ونحوه معه في سفر أو حضر ولم يعلم به أحد فيضمن، بخلاف لو صدقوه فلا ضمان، ولو قالوا: رأيناها ميتة ولم نعلم أنها الرهن، وحلف أنها الرهن (وحلف) المرتهن (فيما يغاب عليه) وأولى في غيره (أنه تلف بلا دلسة) في دعوى التلف (و) أنه (لا يعلم موضعه) في دعوى الضياع قالوا: "و" للتقسيم بمعنى "أو"، وإنما حلف مع ضمانة القيمة أو المثل على إخفائه رغبة فيه (واستمر ضمانه) أي: ما يغاب عليه (إن قبض الدين) من الراهن (أو وهب) له حتى يسلمه المرتهن لربه، ولا يكون بعد البراءة من الدين قبل تسليمه كالوديعة؛ لأنه قبض على وجه التوثق به لا الأمانة (إلا أن يحضره المرتهن) لربه بعد البراءة من الدين (أو يدعوه لأخذه) من غير إحضار (فيقول) ربه: (اتركه عندك) وإن لم يقل: وديعة، فلا ضمان على المرتهن؛ لأنه صار أمانة، فإذا لم يقل في الثانية: اتركه عندك، فالضمان، ولا مفهوم ليدعوه لأخذه، بل متى قال بعد قضاء الدين في الثانية: اتركه عندك، فلا ضمان... قوله: (وضمنه مرتهن) أي: ضمن المرتهن مثله إن كان مثليًّا وقيمته إن كان مقومًا إن ادعى تلفه أو ضياعه أو رده، وهل تعتبر القيمة يوم الضياع أو يوم الارتهان؟ قولان، ووفق بعضهم بين القولين بأن الأول فيما إذا ظهر عنده يوم ادعى التلف، والثاني فيما إذا لم يظهر عنده من يوم قبضه حتى ضاع اهـ بن نقلًا عن المتيطية، قوله: (لا بيد أمين) أي: وإلا كان الضمان من الراهن، قوله: (من كل...) إلخ، بيان لمحذوف، أي: ونحوها من كل... إلخ، وذلك كالسفينة وقت جريها رهنت وحدها أو مع آلتها، وأما آلتها فهي مما يغاب عليه مطلقا رهنت وقت جري السفينة أو راسية، قوله: (لا حيوان وعقار) أي: وسفينة واقفة في المرسى، فإذا ادعى ضياع ذلك الذي لا يغاب عليه أو تلفه أو رده فإنه يصدق ولا ضمان عليه، ومحل تصديقه في دعوى الرد ما لم يكن قبضه ببينة للتوثق وإلا فلا يصدق، كما في ح، واعلم أن مثل الرهن في التفرقة بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه باب العواري، وضمان الصناع، والمبيع بخيار، ونفقة المحضون إذا دفعت للحاضن، والصداق إذا دفع للمرأة وحصل فسخ أو طلاق قبل الدخول، وما بيد الورثة إذا طرأ دين أو وارث آخر، والمشتري من غاصب ولم يعلم بغصبه، والسلعة المحبوسة للثمن أو للإشهاد، قوله: (لأن الضمان...) إلخ، علة لمحذوف، أي: فإن شهدت بينة بتلفه أو هلاكه بغير سببه فلا ضمان عليه؛ لأن الضمان هنا ضمان تهمة، وهي تنتفي بإقامة البينة، قوله: (والتهمة موجودة) أي: ولأن التهمة موجودة عند عدم البينة، والأَوْلى حذف هذا التعليل، والاقتصار على ما قبله؛ لأن هذا إنما يصلح علة لاشتراط عدم البينة، لا لاشتراط عدم الضمان، فتأمل. قوله: (القائل بعدم الضمان عند الشرط) قال اللخمي ونحوه للمازري: إنما يحسن خلاف الشيخين في الرهن المشترط في عقد البيع والقرض، وأما في رهن متطوع به فلا يحسن الخلاف؛ لأن تطوعه بالرهن معروف، وإسقاط الضمان معروف ثان، فهو إحسان على إحسان، فلا وجه لعدم اعتباره، قال شيخنا العدوي: وهذا التقييد معمول به.
قوله: (أو علم...) إلخ، هذا داخل في حيز المبالغة على الضمان؛ لاحتمال كذبه، خلافًا لمن قال: إنه إذا علم احتراق محله المعتاد فإنه لا ضمان عليه ولو لم يأت ببعضه فيه الحرق، قوله: (وادعى حرقه) أي: وادعى أنه كان به وأنه حرق مع متاعه، قوله: (إلا ببقاء بعضه محرقًا) قيل: الأولى غير محرق؛ إذ البعض المحرق لا يبقى، وإنما الذي يبقى البعض غير المحرق، وأجيب بأن المحرق يطلق على ما أذهبتْه النار بالكلية، وعلى ما بقيت آثارها فيه، ولم تذهبه بالكلية، فأطلقه المصنف أولًا في قوله: "بكحرقه" بالمعنى الأول، وأطلقه ثانيًا في قوله: "إلا ببقاء بعضه محرقًا" بالمعنى الثاني على طريق شبه الاستخدام.
واعلم أن الرهن إن كان متحدًا كفى الإتيان ببعض منه محرقًا وإن كان متعددًا فلا بد من الإتيان ببعض كل واحد منه محرقًا، قوله: (فلا ضمان) أي: فلا يبرئه من الضمان إلا مجموع شيئين: الإتيان ببعضه محرقًا، وعلم احتراق محله، وأما إن أتى ببعضه محرقًا ولم يعلم احتراق محله أو علم احتراق محله ولم يأت ببعضه محرقًا فالضمان ثابت على المرتهن، وزاد ابن المواز قيدًا ثالثًا وهو أن يعلم أن النار التي أحرقت المحل ليست من سببه، فإن جهل كونها بسببه أو لا فالضمان عليه، وهذا التقييد معتبر فلا وجه لإهمال المصنف له، قوله: (أي: أفتى الإمام الباجي) أي: لما احترقت أسواق طرطوشة وهو وجيه، قال بن: وبذلك جرى العمل عندنا، ونقل في التوضيح مثل فتوى الباجي عن المازري، ونصه: وذكر المازري أنه نزل عندهم سنة ست وثمانين وأربعمائة لما فتح الروم زويلة والمهدية، ونهبوا الأموال، وكثرت الخصومات مع المرتهنين والصناع، وفي البلد مشايخ من أهل العلم متوافرون، فأفتى بعضهم بتكليف المرتهن والصناع البينة أن ما عنده قد أخذه الروم، وأفتيت بتصديقهم، وكان القاضي حينئذ يعتمد فتواي، فتوقف؛ لكثرة من خالفني، حتى شهد عنده عدلان أن شيخ الجماعة السيوري أفتى بما أفتيت به، ثم قدم علينا كتاب المنتقى فذكر فيه في الاحتراق مثل ما أفتيت به، وذكر كلام الباجي اهـ.
قوله: (المعتاد وضعه فيه) أي: والحال أنه لم يأت ببعضه محرقًا؛ إذ هو محل الخلاف، قوله: (وفتوى الباجي ضعيفة) قد علمت أن بن قد اعتمد فتواه، وأما شيخنا في حاشية خش وغيره فقد ضعفوها وصححوا القول بالضمان، وتبعهم في ذلك شارحنا، قوله: (وهو مما لا يغاب عليه كدور وعبيد) أي: والحال أنه لم يحصل من المرتهن تعدٍّ، وإلا ضمن.
ومن التعدي: أن يسافر بالرهن أو يبيع الدين فيسلم الرهن للمشتري من غير إذن ربه كما في ح، قوله: (أو علم احتراق المحل الموضوع فيه الرهن فقط على ما للباجي) فيه أن إدخال هذا تحت إلا لا يناسب؛ لأن هذا هو قول المصنف قبله، وأفتى بعدمه، فالأولى حذفه، فتأمل. قوله: (ولو اشترط ثبوته) مبالغة في عدم الضمان، لكن لا بد من حلفه أنه تلف بلا دلسة، متهمًا كان أو لا، كما سيأتي، ورد بلو على أشهب القائل: إنه يعمل بالشرط، قوله: (إلا أن يكذبه عدول) أي: أن الرهن إذا كان مما لا يغاب عليه وادعى تلفه وكذبه العدول صريحًا بأن قالوا: إنه باعها ونحوه، أو ضمنًا بأن قال جيرانه أو المصاحبون له في السفر: لا نعلم موتها فإنه يضمنها، ومفهوم "يكذبه" أنه لو صدقه العدول كما لو قالوا: إن هذا الرجل كانت معه دابة وماتت ولكن لا ندري هل هي دابة الرهن أو غيرها فإنه لا يضمن، وأولى إذا قالوا: إنها دابة الرهن، لكن في الأولى لا بد من حلفه أنها هي دون الثانية، ومفهوم "عدول" أنه لو كذبه غيرهم لم يضمن؛ لتطرق التهمة بكتمهم الشهادة له بموتها، قوله: (وكذا عدل وامرأتان) أي: وكذا يكفي في تضمينه تكذيب عدل وامرأتين، وقوله: "فيما يظهر" أي: لأنها دعوى مالية يكفي فيها العدل والمرأتان، قوله: (في دعواه موت دابة) المراد دعواه تلف ما لا يضمنه، فلا مفهوم لدابة ولا لموت، وذلك بأن يكذبه العدول في دعواه سرقة الدابة أو السفينة، قوله: (وحلف أنها الرهن) أي: فإن نكل حبس وإن طال سجنه دين وعلى كل حال لا ضمان عليه، قوله: (وحلف فيما يغاب عليه) أي: حيث قلنا بضمان المرتهن فيما يغاب عليه فلا بد من حلفه، سواء كان متهمًا أو لا، فإن حلف غرم القيمة أو المثل وإن نكل حبس، فإن طال سجنه دين وغرم المثل أو القيمة، قاله شيخنا.
والحاصل: أنه إنما أمر بالحلف مع تضمينه مخافة أن يكون أخفاه، فإن حلف غرم القيمة فقط وإن نكل حبس، فإن طال سجنه دين وغرم القيمة أو المثل على ما تقدم، ثم إن القول بحلفه مطلقًا قول ابن مزين، قال عياض: وحمل عليه بعض الشيوخ ظاهر المدونة، ومقابله يقول: لا يمين على المرتهن إلا أن يدعي الراهن أنه علم بذلك، وإلا حلف له المرتهن، كذا في المواق عن ابن عرفة، قوله: (وأولى...) إلخ، أي: لأنه إذا حلف فيما يضمنه فأولى فيما لا يضمنه، إلا أنه فيما لا يغاب عليه يحلف مخافة أن يكون أخفاه، فإن نكل حبس، فإن طال سجنه دين ولا غرم، وما ذكره الشارح من حلف المرتهن فيما لا يغاب عليه الذي لا يضمنه أحد أقوال ثلاثة، وهي: حلفه مطلقًا متهمًا أو لا، وعدم حلفه مطلقًا، ثالثها: يحلف المتهم دون غيره، قوله: (واستمر ضمانه إن قبض الدين) يعني: أن الرهن إذا كان مما يضمن بأن كان مما يغاب عليه فإن ضمانه من المرتهن ولو قبض دينه من الراهن أو وهبه له؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان إلى أن يسلمه لربه، ولا يكون ذلك الرهن عند المرتهن بعد براءة ذمة الراهن كالوديعة، وقول المصنف: أو وهب، أي: هبة يبرأ بها المدين الذي هو الراهن بأن وهب الدين له، هذا هو المراد وإلا ففي كلامه إجمال؛ لأنه يصدق على هبته لغير المدين مع أنه إذا وهب الدين لغير المدين صار من عنده الرهن أمينًا على الرهن لا مرتهنًا، وحينئذ فلا يضمن، قال ح: وإذا وهب المرتهن الدين للراهن، ثم تلف الرهن فضمنه قيمته كان للمرتهن إبطال الهبة إذا حلف أنه إنما وهبه الدين لأجل أن يبرئ ذمته من الرهن ويلزم الراهن غرم الدين ويتقاصان، فإن فضل عند أحدهما للآخر شيء دفعه له، قاله أشهب، وتردد ح فقال: يحتمل أن ابن القاسم يقول بما لأشهب، ويحتمل أن يخالف فيقول بلزوم الهبة، وإن ضمن المرتهن القيمة أو المثل، قال شيخنا، وما قاله أشهب أصل يخرج عليه كل ما فعل لغرض فلم يتم، قوله: (بعد البراءة من الدين) أي: بعد براءة الراهن منه بقبضه منه أو هبته له، ومفهوم قوله "بعد البراءة" أنه لو أحضره له قبلها فأعرض الراهن عنه فإنه لا يسقط ضمانه من المرتهن، قوله: (فيقول: اتركه عندك) أي: أو أبقه عندك، أو خله عندك، أو دعه عندك، أو أمسكه عندك، قوله: (فإذا لم يقل في الثانية: اتركه عندك فالضمان) أي: بأن دعاه لأخذه من عنده فأعرض عنه ولم يجب، وأما إذا أحضره له ودعاه لأخذه فأعرض عنه ولم يقل: اتركه عندك فلا ضمان، فقول المصنف: "فيقول: اتركه عندك" راجع للثانية، ولا يحتاج لرجوعه للأولى؛ لأنه حيث أحضره له كفى ذلك في إسقاط الضمان، سواء قال له: اتركه عندك أو لا، بأن أعرض عنه ولم يجبه، قوله: (بل متى قال بعد قضاء الدين في الثانية) لعل الأَوْلى حذف قوله: "في الثانية"؛ لأنه متى قال الراهن بعد براءته من الدين للمرتهن: اتركه عندك فلا ضمان عليه، سواء كان المرتهن أحضره له أو دعاه لأخذه أو لم يحصل واحد منهما، كما أنه إذا أحضره له فأعرض عنه وتركه عنده، ولم يقل: اتركه عندك، فإنه لا ضمان على المرتهن أيضًا إذا تلف أو ضاع.
المذهب الشافعي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (4/ 281).
(وهو) أي: المرهون (أمانة في يد المرتهن)؛ لخبر: «الرهن من راهنه» أي: من ضمانه، «وله غُنمه، وعليه غُرمه» فلو شرط كونه مضمونًا لم يصح الرهن، واستثنى البلقيني تبعًا للمحاملي ثماني مسائل: ما لو تحول المغصوب رهنًا، أو تحول المرهون غصبًا، أو تحول المرهون عارية، أو تحول المستعار رهنًا، أو رهن المقبوض ببيع فاسد، أو رهن مقبوض بسوم، أو رهن ما بيده بإقالة أو فسخ قبل قبضه، أو خالع على شيء ثم رهنه قبل قبضه ممن خالعه (ولا يسقط بتلفه شيء من دينه) كموت الكفيل بجامع التوثق، ولأنه لو سقط بتلفه لكان تضييعًا له وإتيانه بالواو في "ولا يسقط" أحسن من حذف أصله لها كالروضة وأصلها؛ لدلالتها على ثبوت حكم الأمانة مطلقًا، وتسبب عدم السقوط عنها، ولا يلزمه ضمانه بمثل أو قيمة، إلا إن استعاره من الراهن كما مر أو تعدى فيه أو منع من رده بعد سقوط الدين والمطالبة، أما بعد سقوطه وقبل المطالبة فهو باق على أمانته، ولو قال: خذ هذا الكيس واستوف حقك منه فهو أمانة في يده إلى أن يستوفي، فإذا استوفاه صار مضمونًا عليه، ولو قال: خذه بدراهمك وكان ما فيه مجهول القدر أو أكثر أو أقل من دراهمه لم يملكه ودخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد، وإن كان معلومًا بقدر حقه ملكها إن لم يكن للكيس قيمة وإلا فهو من قاعدة "مد عجوة ودرهم".
المذهب الحنبلي: شرح منتهى الإرادات (2/ 112-113).
والرهن بيد مرتهن أو من اتفقا عليه (أمانة، ولو قبل عقد) عليه نصًّا (كبعد وفاء) دين أو إبراء منه؛ للخبر، ولأنه لو ضمن لامتنع الناس منه خوف ضمانه فتتعطل المداينات، وفيه ضرر عظيم، فإن تلف بلا تعد ولا تفريط فلا شيء عليه (ويدخل في ضمانه) أي: المرتهن أو نائبه (بتعد أو تفريط) فيه كسائر الأمانات (ولا يبطل) الرهن بدخوله في ضمانه لجمع العقد أمانة واستيثاقًا فإذا بطل أحدهما بقي الآخر (ولا يسقط بتلفه) أي: الرهن (شيء من حقه) أي: المرتهن نصًّا؛ لثبوته في ذمة الراهن قبل التلف ولم يوجد ما يسقطه فبقي بحاله، وحديث عطاء: «أن رجلًا رهن فرسًا فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال: ذهب حقك» مرسل، وكان يفتي بخلافه، فإن صح حُمل على ذهاب حقه من الوثيقة و (كدفع عين) لغريمه (ليبيعها ويستوفي حقه من ثمنها وكحبس عين مؤجرة بعد فسخ) إجارة (على الأجرة) المعجلة (فيتلفان) أي: العينان، والعلة الجامعة: أنها عين محبوسة في يده بعقد على استيفاء حق له عليه.
(وإن تلف بعضه) أي: الرهن (فباقيه رهن بجميع الحق)؛ لتعلق الحق كله بجميع أجزاء الرهن.
(وإن ادعى) مرتهن (تلفه) أي: الرهن (بحادث، وقامت بينة) بوجود حادث (ظاهر) ادعى التلف به، كنهب وحريق حلف أنه تلف به وبرئ، وإن لم تقم بينة بما ادعاه من السبب الظاهر لم يقبل قوله؛ لأن الأصل عدمه ولا تتعذر إقامة البينة عليه، وإن ادعى تلفه بسبب خفي كسرقة (أو لم يعين سببًا حلف) وبرئ منه؛ لأنه أمين، فإن لم يحلف قضي عليه بالنكول (وإن ادعى راهن تلفه) أي: الرهن (بعد قبض في بيع شرط) الرهن (فيه قبل قول المرتهن إنه) تلف (قبله) فلو باع سلعة بثمن مؤجل وشرط على مشتر رهنًا معينًا بالثمن ثم تلف الرهن، فقال بائع: تلف قبل أن أقبضه فلي فسخ البيع؛ لعدم الوفاء بالشرط، وقال مشتر: تلف بعد التسليم فلا خيار لك للوفاء بالشرط فقول مرتهن وهو البائع؛ لأن الأصل عدم القبض.