موسوعة الفقه الكويتية -وزارة الأوقاف الكويتية- (٤٣/٥)
الوديعة في اللغة: ما استودع، وهي واحدة الودائع، يقال: أودعه مالًا، أي: دفعه إليه؛ ليكون وديعة عنده، وأودعه مالًا أيضًا: قبله منه، وهو من الأضداد.
ويقال: أودعت زيدًا مالًا، واستودعته إياه: إذا دفعته إليه؛ ليكون عنده، فأنا مودع ومستودع، وزيد مودع ومستودع، والمال أيضًا مودع ومستودع، أي: وديعة.
وفي الاصطلاح: "هي المال الموضوع عند الغير ليحفظه"، وزاد الحنابلة: "بلا عوض".
والإيداع: "تسليط الغير على حفظ ماله"، وزاد الحنابلة: "تبرعًا".
المعاملات المالية أصالة ومعاصرة -الدبيان-(١٩/٢١:٢٦)
المبحث الأول: في تعريف الوديعة
تعريف الوديعة اصطلاحًا:
أطلق بعض الفقهاء الوديعة على العين المودعة، وعلى الإيداع.
جاء في إعانة الطالبين في تعريف الوديعة: «العقد المقتضي للاستحفاظ، أو العين المستحفظة، فهي حقيقة فيهما.
وجاء في كتب الشافعية: «تقال – يعني: الوديعة - على الإيداع، وعلى العين المودعة.
وانتقد كثير من الفقهاء إطلاق الوديعة على الإيداع:
قال ابن الهمام: «الظاهر أن الوديعة في الشريعة أيضًا: هي المال المودع الذي يترك عند الأمين، لا نفس التسليط على حفظ المال، وأن التسليط على حفظ المال هو الإيداع».
ففرق بين الوديعة والإيداع.
وانتقد العدوي المالكي إطلاق الوديعة على الإيداع، وقال: الوديعة لا تطلق إلا على الذات المودعة، لا على الإيداع، لا لغة، ولا اصطلاحًا.
قال النفرواي في تعريف الوديعة: «مال وُكِّلَ على حفظه».
وأما بالمعنى المصدري فقال خليل: «الإيداع توكيل بحفظ مال».
وهو ما فعله الحجاوي الحنبلي، فقال في الإقناع: «الوديعة: اسم للمال المودع، والإيداع: توكيل في حفظه تبرعًا».
إذا عرفنا هذا؛ نأتي على تعريف الوديعة بمعنى العين المودعة.
تعريف الوديعة بالعين المودعة:
عرفها الحنفية بقولهم: "ما يترك عند الأمين للحفظ فقط".
فقوله: (ما يترك عند الأمين) لما كانت الوديعة تترك عند المودع للحفظ دون الانتفاع، صار الناس لا يودعون عادة إلا عند من يعرف بالأمانة والديانة.
وقوله: (للحفظ فقط) إشارة إلى أنه لا حظ للمودع في الوديعة، فخرج بهذا القيد العارية؛ لأنها تترك للحفظ والانتفاع.
وخرج بذلك أيضًا الإيصاء والوكالة؛ لأنهما يرادان للحفظ والتصرف
وعرف المالكية الوديعة بقولهم: "مال موكل على حفظه".
فهنا نص المالكية على أن الوديعة في الأموال خاصة ومن أجل حفظها فقط، فخرج بذلك ما لو استحفظ أحد ولده الصغير عند جاره لم يطلق على ذلك وديعة؛ لأن الولد ليس مالًا.
وكذلك خرج إيداع الوثائق التي توثق الحقوق فإنها ليست مالًا، كما خرج بذلك التوكيل على البيع والشراء، والاقتضاء، والإيصاء فإنها توكيل على الحفظ والتصرف.
وعرفها بعض الشافعية بأنها: «اسم لعين يضعها مالكها أو نائبه عند آخر ليحفظها».
وعرفها بعض الحنابلة بأنها: "مال أو مختص مدفوع من جائز التصرف إلى مثله لحفظه بلا عوض"، وقال آخرون: "ولو بعوض".
فخرج بقيد (المدفوع): ما ألقته الريح عليك، والعين في يد الملتقط.
وخرج بقيد (جائز التصرف إلى مثله): ما دفع أو أخذ إلى من ليس كذلك، كالسفيه، والصبي فإنه لا يصح إيداعهما.
وخرج بقيد الحفظ: العارية، والإيصاء، والتوكيل ونحو ذلك فإنها ليست للحفظ فقط، فالعارية للحفظ والانتفاع، والإيصاء والتوكيل للتصرف.
وخرج باشتراط أن يكون ذلك بلا عوض الأجير على حفظ المال.
واشتراط أن يكون الحفظ تبرعًا مسألة خلافية، سيأتي التعرض لها، إن شاء الله تعالى.
هذه تعريفات الفقهاء للوديعة بمعنى العين المودعة، وهي تعريفات متقاربة في المعنى، والخلاف فيها في أمرين:
أحدهما: في اشتراط مالية العين المودعة.
الثاني: في اشتراط أن يكون الحفظ تبرعًا.
وسوف نعقد لكل مسألة مبحثًا مستقلًّا، إن شاء الله تعالى.
تعريف الوديعة بمعنى الإيداع:
عرف بعض الفقهاء الوديعة بمعنى الإيداع، أي: الاستنابة في حفظ المال، من ذلك:
قال بعض الحنفية: «الوديعة في الاصطلاح: هي التسليط على الحفظ».
وعرفها بعض المالكية بقولهم: «استنابة في حفظ المال».
وقال بعض الشافعية: «توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص».
فدخل في ذلك صحة إيداع ما ليس بمال كإيداع الخمر المحترمة، وجلد ميتة يطهر بالدباغ، وزبل، وكلب معلم.
وخرج بـ (مختص): ما لا اختصاص فيه، كالكلب الذي لا يقتنى.
وخرج بقوله: (توكيل): العين في يد الملتقط، والثوب إذا ألقته عليه الريح ونحوه؛ لأنه في يده بلا توكيل، بل هو مال ضائع مغاير لحكم الوديعة.
وعرفها بعض الحنابلة بقولهم: «الوديعة عبارة عن: توكل لحفظ مال غيره تبرعًا بغير تصرف».
وهذه التعريفات كلها تشير إلى أن الوديعة عقد، وليست إذنًا في الحفظ، وسنتكلم عن هذه المسألة - إن شاء الله - عند الكلام على خصائص عقد الوديعة.