أولاً: الحيض:
تعريف الحيض
الحيض لغةً: سـيلان الشـيء وجريانه[1].
واصطلاحًا: دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة[2]. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (فهو دم طبيعي، ليس له سبب من مرض، أو جرح، أو سقوط، أو ولادة، وبما أنه دم طبيعي فإنه يختلف بحسب حال الأنثى وبيئتها وجوِّها، ولذلك تختلف فيه النساء اختلافًا متباينًا ظاهرًا)[3].
صفة الحيض
دم الحيض يخرج من الرحم ويكون أسود محتدمًا، أي: حارًّا كأنه محترق[4]. (وهو دم تغلب عليه السـيولة وعدم التجلُّط، وله رائحة خاصة تميزه عن الدم العادي، وهو يخرج من جميع الأوعية الدموية بالرحم؛ سواء الشـرياني منها أو الوريدي، مختلطًا بخلايا جدار الرحم المتساقطة)[5].
السن لبدء الحيض:
ليس هناك سن معينة لبدء الحيض؛ فهو يختلف بحسب طبيعة المرأة وبيئتها وجوها. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل للسن الذي يتأتى فيه الحيض حد معين بحيث لا تحيض الأنثى قبله ولا بعده، وأن ما يأتيها قبله أو بعده فهو دم فساد لا حيض؟ اختلف العلماء في ذلك. قال الدارمي -بعد أن ذكر الاختلافات- كل هذا عندي خطأ؛ لأن المرجع في جميع ذلك إلى الوجود -يعني وجود الدم- فأي قدر وجد في أي حال وسن وجب جعله حيضًا، والله أعلم، وهذا الذي قاله الدارمي هو الصواب، وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية[6]، فمتى رأت الأنثى الحيض فهو حيض، وإن كانت دون تسع سنين، أو فوق خمسـين سنة، وذلك لأن أحكام الحيض علقها الله ورسوله ﷺ على وجوده...)[7].
مدة الحيض:
قال ابن المنذر رحمه الله: وقالت طائفة: (ليس لأقل الحيض ولا لأكثره حد بالأيام).
وقال ابن عثيمين رحمه الله: (وهو اختيار شـيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصواب؛ لأنه يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار)[8]. ثم ساق الأدلة على ذلك. وقال ابن تيمية رحمه الله: (ومن ذلك اسم الحيض؛ علق الله به أحكامًا متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدِّر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضتين، مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه، واللغة لم تفرق بين قدر وقدر، فمن قدر في ذلك حدًّا فقد خالف الكتاب والسنة)[9].
وعلى هذا فما ذهب إليه كثير من الفقهاء من أن أقل زمن الحيض يوم وليلة، وأكثره خمس عشـرة، أو نحوها لا يصح. قال الشـيخ ابن عثيمين رحمه الله: (من النساء من لا تحيض أصلًا، ومنهن من تحيض ساعات ثم تطهر).
مدة الطهر بين الحيضتين:
ذهب كثير من الفقهاء إلى تحديد مدة الطهر بين الحيضتين مع اختلافهم في هذه المدة، والصحيح أنه لا حد لمدة الطهر بين الحيضتين لا لأقله، ولا لأكثره؛ إذ لا دليل ينص على ذلك. (راجع كلام ابن تيمية السابق).
حيض الحامل[10]:
الأصل أن الحامل لا تحيض، والدليل على ذلك من القرآن، والحس:
(1) أما القرآن: فقد ذكر الله عدة المطلقات ثلاثة قروء، وأما الحامل فقد جعل عدتها وضع حملها، فلو كانت تحيض لجعل عدتها ثلاثة قروء.
(2) وأما الحس: فقد قال الإمام أحمد: (إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم) هذا بناء على الأصل، لكن الحامل قد ترى الدم).
فإذا رأت الحامل الدم فما حكمه؟
الجواب: اختلف العلماء في حكم هذا الدم على قولين:
القول الأول: قالوا: ليس بحيض، وهو المشهور من مذهب الحنفية والحنابلة والقول القديم للشافعي. وهو ما ذهب اليه الظاهرية؛ قال ابن حزم رحمه الله: (وكل دم رأته الحامل ما لم تضع آخِرَ ولدٍ في بطنها، فليس حيضًا ولا نفاسًا)[11].
القول الثاني: قالوا: هو حيض، وهو مذهب المالكية والشافعية.
والراجح هو القول الأول؛ لما تقدم، ولأن النبي ﷺ قال في السبايا: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض»[12] ومعنى «الحائل»: الحائض، ففرق النبي ﷺ بين الحامل والحائض، وجعل وجود الحيض علامة على براءة الرحم من الحمل وهذا هو الظاهر من الحديث، ويشهد له ما روى الدارمي (1/227، 228) من طريقين عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت: (إن الحبلى لا تحيض، فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصل). وإسناده صحيح. ثم هو الموافق للحس كما تقدم من كلام الإمام أحمد، وهو أيضا الموافق للطب، فقد نقل الدبياني بعد مراجعة الأطباء أنه لا يمكن للحامل أن تحيض، وأن ما تراه من دم له أسباب كثيرة منها:
1- نزول الدم الناتج عن انفجار حويصلة البويضة، يظهر بعد أسبوعين من حمل المرأة.
2- نزول دم ناتج عن انغماد البويضة في الرحم بشكل يؤثر على جدار الرحم ويسبب نزيفًا وذلك بعد ثلاثة أسابيع من الحمل.
3- نزول دم قد يستمر من ثلاثة أسابيع الى تسعة أسابيع الأولى من الحمل بسبب عدم امتلاء تجويف الرحم بالجنين.
4- نزيف ناتج عن التهاب في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.
5- نزيف ناتج عن لحمية في عنق الرحم في أي وقت من الحمل.
6- جرح في المشـيمة يؤدي إلى نزيف.
7- مرض سـرطاني.
8- نزف في حالة حمل في الأنيوب حيث يكون الرحم خاليًا، وينمو الجنين في أنبوب الرحم[13].
علامة الطهر:
يعرف الطهر من الحيض بخروج (القَصة البيضاء)، وهو سائل أبيض يخرج إذا توقف الحيض. فإذا لم يكن من عادتها خروج هذا السائل فعلامة طهرها (الجفاف)؛ بأن تضع قطنة بيضاء في فرجها، فإن خرجت ولم تتغير بدم أو صفرة أو كُدْرَة، فذلك علامة طهرها.