الآية (35-36): قوله: ﴿ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ أي: بِكُفْرِه وتَمَرُّده وتَكَبُّره وتَجَبُّره وإِنْكَاره الـمَعَادَ. ﴿ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ﴾ وذلك اغترار منه، لِـمَا رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطَّردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تَفنَى ولا تَفْرَغ ولا تَهْلَك ولا تَتْلَف، وذلك لِقِلَّة عقله، وضَعْف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكُفْره بالآخرة؛ ولهذا قال: ﴿ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ﴾ أي: كائنة ﴿ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ﴾ أي: ولئن كان مَعَادٌ ورَجْعَةٌ ومَرَدٌّ إلى الله، ليَكونَنّ لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي، ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿ وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَىٰ ﴾ [فصلت:50]، وقال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا ﴾ [مريم:77] أي: في الدار الآخرة، تَأَلَّى على الله عز وجل.
الآية (37-41): يقول تعالى مخبرًا عما أجابه صاحبه المؤمن، واعظًا له وزاجرًا عمَّا هو فيه من الكفر بالله والاغترار: ﴿ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ﴾ الآية؟! وهذا إنكار وتعظيم لِـمَا وَقَع فيه من جحود ربه، الذي خَلَقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم، ﱡﭐ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﱠ [السجدة:8]، كما قال تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ الآية [البقرة:28]، أي: كيف تجحدون ربكم، ودلالتُه عليكم ظاهرة جليّة، كل أحد يعلمها من نفسه؛ فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويَعلَم أنه كان معدومًا ثم وُجِد، وليس وجوده من نفسه ولا مستندًا إلى شيء من المخلوقات؛ لأنه بمثابته، فَعُلِمَ إسنادُ إيجاده إلى خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء؛ ولذا قال: ﴿ لَٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ﴾ أي: أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية، ﴿ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾ أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.
ثم قال: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ ﴾ الآية، هذا تحضيض وحَثٌّ على ذلك، أي: هَلَّا إذ أعجبَتْك حين دَخلْتَها ونظرتَ إليها حَمِدْتَ الله على ما أَنعَم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يُعطِه غيرك، وقلت: ﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾؛ ولهذا قال بعض السلف: من أَعْجَبَه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليَقُل: ﴿ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة. وقد ثبت عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال له: «ألا أدلك على كَنْزٍ من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» [متفق عليه].
وقوله: ﴿ فَعَسَىٰ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ ﴾ أي: في الدار الآخرة، ﴿ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا ﴾ أي: على جنتك في الدنيا التي ظنَنْتَ أنها لا تَبيدُ ولا تَفنَى ﴿ حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾ الظاهر أنه مَطَرٌ عظيم مُزعِج، يَقْلَع زرعها وأشجارها؛ ولهذا قال: ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ﴾ أي: بَلْقَعًا ترابًا أَمْلَسَ، لا يثبت فيه قَدَم.
وقوله: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ أي: غائرًا في الأرض، وهو ضِدُّ النابع الذي يُطْلَبُ وجهَ الأرض، فالغائر يُطْلَب أسفلَها، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك:30] أي: جَارٍ وَسَائِح. وقال ههنا: ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ والغَوْر: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلَغ منه.
الآية (42-44): يقول تعالى: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ بأمواله، أو بثماره على القول الآخر. والمقصود أنه وَقَع بهذا الكافر ما كان يَحذَر، ممَّا خَوَّفه به المؤمن من إرسال الـحُسبَان على جَنَّتِه، التي اغْتَرَّ بها وأَلْـهَتْهُ عن الله عز وجل ﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ يُصفِّق كفَّيه متأسِّفًا متلهِّفًا على الأموال التي أَذهَبَها عليها، ﴿ وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ﴾.
﴿ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ ﴾ أي: عشيرة أو وَلَد، كما افتَخَر بهم واستعزَّ، ﴿ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا ﴿٤٣﴾ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ﴾ المعنى: هنالك الموالاة لله، أي: هنالك كل أحد من مؤمن أو كافر، يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وَقَع العذاب، و﴿ الْحَقِّ ﴾ نعت لله عز وجل ، كقوله: ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام:62]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا ﴾ أي: جزاءً، ﴿ وَخَيْرٌ عُقْبًا ﴾ أي: الأعمال التي تكون لله عز وجل ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير.
الآية (45): يقول تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ ﴾ يا محمد للناس ﴿ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ أي: ما فيها من الـحَبِّ، فَشَبَّ وحَسُنَ، وعَلَاه الزهر وَالنَّوْرُ والنُّضْرة ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ بعد هذا كله ﴿ هَشِيمًا ﴾ يابسًا ﴿ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ أي: تُفَرِّقُه وتَطرَحُه ذات اليمين وذات الشمال.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴾ أي: هو قادر على هذه الحال، وهذه الحال، وكثيرًا ما يَضرِب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما في سورة يونس: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ﴾ الآية [يونس:24]، وقال في الزمر: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ الآية [الزمر:21]. وقال في سورة الحديد: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ﴾ الآية [الحديد:20].
وفي الحديث الصحيح: «الدنيا حُلوةٌ خَضِرَةٌ» [رواه مسلم].