ولنزول القرآن الكريم جملة واحدة من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا حِكَمٌ عديدة؛ منها ما ذكره أبو شامة المقدسي بقوله: (فإن قلت: ما السر في إنزاله جملة إلى السماء الدنيا؟ قلت: فيه تفخيمٌ لأمره وأمرِ مَن أُنزل عليه، وذلك بإعلام سُكَّان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزل على خاتم الرسل لأشرف الأمم، قد قَرَّبناه إليهم لنُنزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم مُنَجَّمًا بحسب الوقائع لَهُبط به[1] إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله تعالى بَايَنَ بينه وبينها، فجمع له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقًا، وهذا من جملة ما شرف به نبينا ﷺ)[2].
وقال السخاوي: (فإن قيل: ما في إنزاله جملة إلى سماء الدنيا؟ قلت: في ذلك تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله D بهم ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفًا من الملائكة لما أنزل سورة الأنعام أن تَزُفَّها[3])[4]، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل عليه السلام بإملائه على السَّفَرة الكرام البَرَرة عليهم السلام وإِنْسَاخِهم إياه وتلاوتهم له.
وفيه أيضًا: إعلام عباده من الملائكة وغيرهم أنه عَلَامُ الغُيُوب لا يَعزب عنه شيء؛ إذ كان في هذا الكتاب العزيز ذِكْرُ الأشياء قبل وقوعها.
وفيه أيضًا: التسوية بينه وبين موسى عليه السلام في إنزال كتابه جملة، والتفضيل لمحمد ﷺ في إنزاله عليه مُنَجَّمًا ليحفظه؛ قال الله D: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ ﴾ [الفرقان: 32]، وقال D: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ ﴾ [الأعلى: 6].
وفيه أيضًا: (أن جَنَاب العزة عظيم؛ ففي إنزاله جملة واحدة وإنزال الملائكة له مُفَرَّقًا بحسب الوقائع ما يُوقع في النفوس تعظيم شأن الربوبية)[5].
قلت: وبهذا يظهر أن لنزول القرآن الكريم جملة واحدة حكمًا عديدة منها:
1- تعظيم شأن القرآن الكريم وتفخيم أمره.
2- تعظيم شأن الرسول ﷺ وتشريفه وتفضيله.
3- تكريم أمة محمد ﷺ، وتعريف الملائكة بفضلها ومكانتها.
4- إعلام أهل السمٰاوات أن هذا آخرُ الكتب المنزلُ على خاتم الأنبياء.
5- إعلام الملائكة وغيرهم بأن الله يعلم ما كان وما سيكون، وأنه علام الغيوب؛ ففي القرآن ذكر للأشياء قبل وقوعها وبيان للأحداث قبل حدوثها.
6- بيان منزلة محمد ﷺ وفضله على سائر الأنبياء عليهم السلام.
فإن قلت: وما أثر بيان عظمة القرآن ومكانة الرسول ﷺ وأمته عند الملائكة؟ وما فائدة ذلك؟
قلت: إنَّ المسلم ليفرح فرحًا شديدًا بدعوة أخيه المسلم الصالحة، وتعظُم مكانتها بقدر صلاح الداعي واستقامته؛ فإذا كانت الدعوة ممن لم يعص الله طرفة عين -وهم الملائكة- كانت من أفضل الدعاء وأحراها بالإجابة.
والملائكة يُصَلُّون على النبي ﷺ، ويستغفرون لأمة محمد ﷺ، ويدعون لهم، ويحضرون مجالس الذِّكر، ويكثرون في الأزمنة والأماكن الفاضلة، وحضورهم كله خير، ودعاؤهم حَرِيٌّ بالإجابة؛ فعِلْمُهم بمنزلة الرسول ﷺ ومكانة أُمَّته وعظمة كتابه من أسباب إكثارهم ومداومتهم على ذلك واختصاصهم بزيادة الدعاء، والله أعلم.