الآية (1-3): يقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدًا لها على خَلْقِه السموات والأرض قرارًا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعةً لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمَع لفظ «الظلمات» ووحَّد لفظ «النور»؛ لكونه أشرف؛ كما قال: ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ﴾ [النحل:48]، وكما قال في آخر هذه السورة: ﴿ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام:153].
وقوله: ﴿ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: ومع هذا كلِّه كفر به بعض عباده، وجعلوا معه شريكًا وعِدْلًا، واتَّخذوا له صاحبةً وولدًا، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقوله: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ﴾ يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم ومنه خرجوا، فانتشروا في المشارق والمغارب. وقوله: ﴿ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾، قال ابن عباس: ﴿ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ﴾ يعني: الموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ يعني: الآخرة. وقال الحسن: ﴿ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ﴾ وهو ما بين أن يُخلق إلى أن يموت، ﴿ وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ ما بين أن يموت إلى أن يُبعث. ويرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص: وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام: وهو عمر الدنيا بكمالها ثم انتهائها وانقضائها وزوالها، وانتقالها، والمصير إلى الدار الآخرة.
ومعنى قوله: ﴿ عِنْدَهُ ﴾ أي: لا يعلمه إلا هو؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ﴾ [الأعراف:187]، وكقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿٤٢﴾ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴿٤٣﴾ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ﴾ [النازعات:42-44].
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ قال السُّدي وغيره: يعني تَشُكُّون في أمر الساعة.
وقوله: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ اختلف مفسِّرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة القائلين بأنه -تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا- في كل مكان! فالأصح من الأقوال أنه: المدعو الله في السموات وفي الأرض؛ أي: يعبده ويُوحِّده ويُقرّ له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويُسمّونه الله، ويدعونه رَغَبًا ورَهَبًا، إلا من كَفَر من الجنِّ والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ﴾ [الزخرف:84]، أي: هو إله مَنْ في السماء وإله مَنْ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ﴾ خبرًا أو حالًا.
الآية (4-6): يقول تعالى مُخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين: أنهم مهما أتتهم ﴿ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي: دلالة ومعجزة وحجة، من الدلالات على وحدانية الرب عز وجل وصدق رسله الكرام، فإنهم يُعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون بها.
قال تعالى: ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾، وهذا تهديد لهم ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق، بأنه لا بد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليَجِدُنَّ غِبّه، وليذوقُنَّ وَباله. ثم قال تعالى واعظًا ومحذِّرًا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حلَّ بأشباههم ونُظَرائهم من القرون السالفة الذين كانوا أشدَّ منهم قوةً، وأكثر جمعًا، وأكثر أموالًا وأولادًا واستغلالًا للأرض وعمارةً لها، فقال: ﴿ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ﴾ أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض، والسعة والجنود، ﴿ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا ﴾ أي: شيئًا بعد شيء ﴿ وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ ﴾ أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاء لهم ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾ أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها، ﴿ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب وجعلناهم أحاديث، ﴿ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴾ أي: جيلا آخر لنختبرهم، فعملوا مثل أعمالهم فهلكوا كهلاكهم. فاحذروا -أيها المخاطبون- أن يصيبكم مثل ما أصابهم؛ فما أنتم بأعزّ على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه.
الآية (7-8): يقول تعالى مخبرًا عن كفر المشركين وعنادهم ومكابرتهم للحق ومباهتتهم ومنازعتهم فيه: ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ أي: عاينوه، ورأوا نزوله، وباشروا ذلك ﴿ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن مكابرتهم للمحسوسات: ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿١٤﴾ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾ [الحجر:14-15]، وكقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ﴾ [الطور:44].
﴿ وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ أي: فيكون معه نذيرًا، قال الله: ﴿ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ ﴾ أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله العذاب؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ ﴾ [الحجر:8]، وقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا ﴾ [الفرقان:22].