حجم الخط:

الآيات (12-21)

الآية (12): ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ، أي: يُسارّه فيما بينه وبينه، أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام؛ ولهذا قال: ﴿ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ . ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا أي: إلا من عجز عن ذلك لفقده ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فما أُمر بها إلا من قدر عليها.

الآية (13): ﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ أي: أخِفتُم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول؟! ﴿ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ فنسخ وجوب ذلك عنهم. قال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخ هذا. وقال قتاده ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله حتى أحفوه بالمسألة، فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم إذا كانت له الحاجة إلى نبي الله فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ .

الآية (14): يقول تعالى منكرًا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن، وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا [النساء:143]. وقال ههنا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعني: اليهود، الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن. ﴿ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ أي: هؤلاء المنافقون ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين يوالونهم وهم اليهود. ﴿ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ يعني: المنافقين يحلفون على الكذب وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين، عياذًا بالله منه؛ فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا جاؤوا الرسول حلفوا بالله أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به؛ لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقًا؛ ولهذا شهد الله بكذبهم في أيمانهم وشهادتهم لذلك.

الآية (15-17): ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم، ومعاداة المؤمنين وغشهم. ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض الناس ﴿ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة. ﴿ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسًا إذا جاءهم ﴿ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

الآية (18): ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدًا. ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أي: يحلفون بالله عز وجل أنهم كانوا على الهدى والاستقامة، كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا؛ لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه، ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيُجْرُون عليهم الأحكام الظاهرة؛ ولهذا قال: ﴿ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ أي: حلفهم ذلك لربهم عز وجل. ثم قال منكرًا عليهم حسبانهم: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ فأكد الخبر عنهم بالكذب.

[سبب النزول]: عن سعيد بن جُبَير أن ابن عباس حدثه: أن النبي كان في ظل حُجْرة من حُجَره، وعنده نفر من المسلمين قد كان يَقلصُ عنهم الظل، قال: «إنه سيأتيكم إنسان ينظر بعيني شيطان، فإذا أتاكم فلا تكلموه». فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله فكلمه، فقال: «علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟!» -نفر دعاهم بأسمائهم- قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿ فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ . إسناد جيد ولم يخرجاه [أخرجه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر]. وحال هؤلاء كما أخبر الله تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴿٢٣ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [الأنعام:23-24].

الآية (19): ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله عز وجل، وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه؛ عن أبي الدرداء: سمعت رسول الله يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بَدْو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب القاصية». قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة [رواه أبو داود وصححه الألباني]. ﴿ أُولَٰئِكَ يعني: الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. ثم قال: ﴿ .

الآية (20-21): يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، يعني: الذين هم في حَدٍّ والشرع في حَدٍّ، أي: مجانبون للحق مشاقون له؛ هم في ناحية والهدى في ناحية، ﴿ أي: في الأشقياء المبعدين المطرودين عن الصواب، الأذلين في الدنيا والآخرة. ﴿ أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقَدَره الذي لا يُخالَف ولا يُمانع، ولا يبدل بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأن العاقبة للمتقين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51]. وقال ههنا: ﴿ ﰗﰘ أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه. وهذا قدر محكم وأمر مبرم: أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة.