حجم الخط:

الآيات (21-25)

الآية (21-23): يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمةً من بعد ضرَّاء مسَّتهم، كالرخاء بعد الشدة، والخـصْب بعد الـجَدْب، والمطر بعد القَحْط ونحو ذلك ﴿ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا . قال مجاهد: استهزاءٌ وتكذيب؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12]، وفي الصحيح أن رسول الله صلَّى بهم الصبح على إثْرِ سَمَاءٍ -مَطَرٍ- أصابهم من الليل، ثم قال: «هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر: فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بنَوْء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب» [متفق عليه].

وقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا أي: أشدَّ استدراجًا وإمهالًا، حتى يظنَّ الظانُّ من المجرمين أنه ليس بمعذَّب، وإنما هو في مُهلة، ثم يُؤخَذ على غِرَّة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله، ويُحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة، فَيُجَازِيه على الحقير والجليل، والنقير والقِطْمير.

ثم أخبر تعالى أنه: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي: يحفظكم ويكلؤكم بحراسته، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا أي: بسرعة سيرهم رافقين، فبينما هم كذلك إذ ﴿ جَاءَتْهَا أي: تلك السفن، ﴿ رِيحٌ عَاصِفٌ أي: شديدة، ﴿ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ أي: اغْتَلَمَ البحر عليهم، ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ أي: هَلَكوا، ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: لا يدعون معه صنمًا ولا وثنًا، بل يُفْرِدُونَهُ بالدعاء والابتهال؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء:67]، وقال ههنا: ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ أي: هذه الحال، ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ أي: لا نُشرِك بك أحدًا، ولَنُفْرِدَنَّك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ههنا، قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ أي: من تلك الورطة، ﴿ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ أي: كأنْ لم يكن من ذاك شيء ﴿ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12].

ثم قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أي: إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا تضرون به أحدًا غيركم، كما جاء في الحديث: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يَدّخر الله لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم» [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني].

وقوله: ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة، ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ أي: مصيركم ومآلكم، ﴿ فَنُنَبِّئُكُمْ أي: فنُخبِرُكم بجميع أعمالكم، ونوفِّيكم إياها، فمن وَجَد خيرًا فليحمد الله، ومن وَجَدَ غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه.

الآية (24-25): ضَرَبَ تعالى مثلًا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء، ممَّا يأكل الناس من زروع وثمار، على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام من أَبٍّ وقَضْب[1] وغير ذلك، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا أي: زينتها الفانية، ﴿ وَازَّيَّنَتْ أي: حَسُنَت بما خَرَج من رُباها من زهور نَضِرة مختلفة الأشكال والألوان، ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا الذين زرعوها وغرسوها ﴿ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أي: على جَذَاذها وحصادها، فبَيْنَا هم كذلك إذ جاءتها صاعقة، أو ريح باردة، فأَيْبَسَتْ أوراقها، وأَتْلَفَتْ ثمارها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا أي: يَبَسًا بعد الخضرة والنضارة، ﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك. وقال قتادة: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ : كأن لم تَنْعَم. وقال تعالى إخبارًا عن الـمُهْلَكِين: ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴿٩٤ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا [هود:94-95].

ثم قال تعالى: ﴿ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ أي: نبيِّن الـحُجج والأدلة ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعًا مع اغترارهم بها وتمكُّنِهم بمواعيدها وتَفَلُّتها منهم؛ فإنَّ مِن طَبْعِها الهرَب ممَّن طلبها، والطلب لمن هَرَبَ منها، وقد ضَرَب الله مثل الحياة الدنيا بنبات الأرض، في غير ما آية من كتابه العزيز، فقال في سورة الكهف: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45]، وكذا في سورة الزمر، والحديد يضرب بذلك مثل الحياة الدنيا كماء.

وقوله: ﴿ الآية لَـمَّا ذَكَر تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رَغَّب في الجنة ودعا إليها، وسمَّاها دار السلام؛ أي: من الآفات، والنقائص والنكبات، فقال: ﴿ . عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسولُ الله يومًا فقال: «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا. فقال: اسمع سَمعَت أذنُك، واعقل عَقَل قلبك: إنما مَثَلُك ومثل أُمَّتك كمثل مَلِك اتَّخَذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مأدبةً، ثم بَعَث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تَرَكه، فالله الـمَلِك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسُول، فمن أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها» [رواه الترمذي وابن جرير بلفظه، والبخاري بنحوه].