الآية (23): يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته عن نفسه؛ أي: حاولته على نفسه، ودَعَتْهُ إليها؛ وذلك أنها أحبَّته حبًا شديدًا لجماله وحُسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجمَّلَتْ له، وغلَّقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها ﴿ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع، و﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي ﴾ وكانوا يطلقون «الرب» على السيد والكبير؛ أي: إن بعلك ربي أحسن مثواي؛ أي: منزلي، وأحسن إلي، فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ قال ذلك مجاهد، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. وقد اختلف القراء في قراءة: ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾، فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء. وقال ابن عباس: معناه: أنها تدعوه إلى نفسها. تقول: هَلُمَّ لك. وقال أبو عبيدة: وكان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حَوْران، وقعت إلى أهل الحجاز. معناها: تعال. وقرأ آخرون: «هِئتُ لك» بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك. وممن روي عنه هذه القراءة ابن عباس وقتادة، وكلهم يفسرها بمعنى: تهيأت لك. وقرأ آخرون، منهم عامة أهل المدينة: «هَيْتُ» بفتح الهاء وضم التاء. وقال آخرون: «هِيْتُ لَك» بكسر الهاء وإسكان الياء وضم التاء.
الآية (24): اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام: قال بعضهم: المراد بهمِّهِ بها هَمّ خَطَرات حديث النفس. حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: إذا هَمّ عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جَرَّائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها» [متفق عليه]. وقيل: همَّ بضربها. وقيل: تمنَّاها زوجة. وقيل: ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ أي: فلم يهمّ بها.
وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضًا: قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى من آيات الله ما زَجَرَه عما كان هَمّ به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون الملَك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك. ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يُطلق كما قال الله تعالى.
قوله: ﴿ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ﴾ أي: كما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره ﴿ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ أي: الـمُجتَبين الـمُطَهَّرين المختَارِين الـمُصطَفَين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.
الآية (25-28): يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه من ورائه فَقَدَّته قدًّا فظيعًا، يقال: إنه سقط عنه، واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا، وهي في إثره، فألفَيا سيدها -وهو زوجها- عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها مُتنصّلة وقاذفة يوسف بِدائها: ﴿ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا ﴾ أي: فاحشة ﴿ إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ ﴾ أي: يُحبس ﴿ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي: يُضرب ضربًا شديدًا موجعًا. فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق، وتبرَّأ مما رمته به من الخيانة، وقال بارًا صادقًا: ﴿ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ﴾، وذكر أنها اتَّبعته تجذبه إليها حتى قدَّت قميصه. قوله: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ ﴾ أي: من قدامه ﴿ فَصَدَقَتْ ﴾ أي: في قولها إنه أرادها على نفسها؛ لأنه يكون لما دعاها وأبَتْ عليه دفعته في صدره، فقدَّت قميصه، فيصح ما قالت. ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ وذلك يكون كما وقع لما هرب منها، وتطلَّبته أمسكت بقميصه من ورائه لتردّه إليها، فقدت قميصه من ورائه. وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير، على قولين لعلماء السلف، فقال ابن عباس: ﴿ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ﴾ قال: ذو لحية. وقال: وكان من خاصة الملك. وكذا قال مجاهد والحسن، وقتادة، والسُّدِّي وغيرهم: إنه كان رجلًا. وقال زيد بن أسلم، والسدي: كان ابن عمها. وقال الحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مُزاحم: إنه كان صبيًّا في الدار. واختاره ابن جرير.
قوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ ﴾ أي: فلما تحقق زوجها صدقَ يوسف وكذبها فيما قذفته ورَمَتْهُ به ﴿ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ ﴾ أي: إن هذا البُهْت واللَّطخ الذي لَطَّخْتِ عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾.
الآية (29): ثم قال آمرًا ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع: يا ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ﴾ أي: اضربْ عن هذا صفحًا، فلا تذكره لأحد ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ يقول لامرأته. وقد كان ليِّن العَرِيكة سهلًا، أو أنه عذَرَها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه، فقال لها: ﴿ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ﴾ أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قَذْفِه بما هو بريء منه، استغفري من هذا الذي وقع منك ﴿ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ﴾.
الآية (30): يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة، وهي مصر، حتى تحدث به الناس ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ مثل نساء الكُبراء والأمراء، يُنكرن على امرأة العزيز، ويَعِبْنَ ذلك عليها: ﴿ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها، ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ أي قد: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وهو غلافه. قال ابن عباس: الشَّغَف: الحُب القاتل، و [الشعف] دون ذلك، والشغاف: حجاب القلب. ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ أي: في صنيعها هذا مِن حُبّها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه.