حجم الخط:

الآيات (31-38)

الآية (31): يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ يا محمد ﴿ مِنَ الْكِتَابِ وهو القرآن ﴿ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أي: من الكتب المتقدمة يصدقها، كما شهدَتْ له بالتنويه، وأنه مُنزل من رب العالمين ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ أي: هو خبير بهم، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه.

الآية (32): يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من الكتب، الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال تعالى: ﴿ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وهو: المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات، ﴿ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، ﴿ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال ابن عباس: هم أمة محمد ورَّثهم الله كل كتاب أنزله؛ فظالمهم يُغفَر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوارثين الكتاب. وقال مجاهد: هم أصحاب المشأمة. وقال الحسن وقتادة: هو المنافق. والصحيح: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله .

إذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه الرحمة.

الآية (33-34): يخبر تعالى أن هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أُورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين، يوم القيامة مأواهم ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله عز وجل ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا كما ثبت عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء» [رواه مسلم]. ﴿ وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ أباحه الله لهم في الدار الآخرة. ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوفه، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة. قال ابن عباس: غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات.

الآية (35): ﴿ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام من فضله وَمنّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك؛ كما ثبت أن رسول الله قال: «لن يُدخِل أحدًا منكم عملُه الجنةَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني الله برحمة منه وفضل» [متفق عليه]. ﴿ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء. والنصَب واللغوب: كل منهما يُستعمل في التعب، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، فمن ذلك أنهم كانوا يُدْئِبُون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة؛ قال الله تعالى: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

الآية (36-37): لما ذكر تعالى حال السعداء شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا كما قال تعالى: ﴿ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ [طه:74]. وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله قال: «أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها ولا يحيون». قال تعالى: ﴿ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ﴿٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:74-75]. قال: ﴿ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ أي: هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب بالحق.

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا أي: ينادون فيها، يجأرون إلى الله عز وجل بأصواتهم: ﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نُهوا عنه، وإنهم لكاذبون. فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم؛ كما قال تعالى: ﱡﭐ فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ١١ ذَٰلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا [غافر: 11، 12]، ولهذا قال ههنا: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أي: أوما عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟! وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ههنا؛ فروي عن الحسن قال: أربعين سنة، وعن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أربعون سنة. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس عن ابن عباس قال: ستون سنة. فهذه الرواية أصح عن ابن عباس، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا لما ثبت في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «أعذر الله عز وجل إلى امرئ أخَّر عمره حتى بَلَّغَه ستين سنة». ﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ روي عن ابن عباس وعِكْرِمة وقتادة أنهم قالوا: يعني: الشيب. وقال عبد الرحمن بن زيد: يعني به الرسول ، وقرأ: ﴿ هَٰذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىٰ [النجم:56]. وهذا هو الصحيح عن قتادة. وهذا اختيار ابن جرير وهو الأظهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

﴿ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي: فذوقوا عذابَ النار جزاءً على مخالفتكم للأنبياء في مدة أعماركم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.

الآية (38): يخبر تعالى بعلمه غيب السموات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله.