حجم الخط:

الآيات (58-64)

الآية (58): وقوله: ﴿ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ أي: وكذلك إذا أذَّنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿ اتَّخَذُوهَا أيضًا ﴿ هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ معانِي عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي «إذا سمع الأذان أدبَر وله حُصَاص -أي: ضُراط- حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي التأذين أقبل» [متفق عليه].

الآية (59-63): يقول تعالى: قل يا محمد، لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟! وهذا ليس بعيب ولا مذَمَّة، فيكون الاستثناء منقطعًا. وقوله: ﴿ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ معطوف على ﴿ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون، أي: خارجون عن الطريق المستقيم. ثم قال: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ أي: هل أخبركم بشرِّ جزاء عند الله يوم القيامة ممَّا تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متَّصفون بهذه الصفات المفسرة؛ فقوله: ﴿ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ أي: أبعده من رحمته ﴿ وَغَضِبَ عَلَيْهِ أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا، ﴿ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ . وعن ابن مسعود قال: سئل رسول الله عن القردة والخنازير، أهي ممَّا مسخ الله؟ فقال: «إن الله لم يهلك قومًا -أو قال: لم يمسخ قومًا- فيجعَل لهم نَسْلًا ولا عَقِبًا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك» [رواه مسلم]. وقوله: ﴿ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي: وجعل منهم من عَبَدَ الطاغوت. وقرئ: «وعَبْدَ الطَّاغُوتِ» بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خَدَم الطاغوت، أي: خُدَّامه وعبيده. وقرئ: «وعُبُدَ الطَّاغُوتِ» -على أنه جمع الجمع، مثل ثِمار وثُمُر. [وقرئ:] «وعَابِدَ الطاغوت»، «وعَبَدوا»، «وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ» على أنه مفعول ما لم يسم فاعله؛ لأن هذا من باب التعريض بهم، أي: وقد عُبِدَ الطاغوت فيكم، وأنتم الذين فعلتموه. وهذه القراءات يرجع معناها إلى: أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا -والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه- كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وُجِدَ منكم جميع ما ذُكِر؟! ولهذا قال: ﴿ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا أي: ممَّا تظنون بنا ﴿ وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ . وقوله: ﴿ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وهذه صفة المنافقين منهم: أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا أي: عندك يا محمد ﴿ بِالْكُفْرِ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها، لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نَجَعَت فيهم المواعظ ولا الزواجر؛ ولهذا قال: ﴿ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ فخصَّهم به دون غيرهم. وقوله: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ والله عالم بسرائركم وما تنطوي عليه ضمائركم، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك، وتزيَّنوا بما ليس فيهم؛ فإن الله عالم الغيب والشهادة أعلم بهم منهم، وسيجزيهم على ذلك أتمَّ الجزاء. وقوله: ﴿ وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي: لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم. وقوله: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ يعني: هلَّا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك؟! والربانيون: هم العلماء العُمَّال أرباب الولايات عليهم، والأحبار: هم العلماء فقط. ﴿ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ يعني: في تركهم ذلك. قاله ابن عباس، وعن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشدُّ توبيخًا من هذه الآية: ﴿ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ .

الآية (64): يخبر تعالى عن اليهود بأنهم وصَفوا الله -عز وجل، وتعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا- بأنه بخيل. كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء! وعبَّروا عن البخل بقولهم: ﴿ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ . قال ابن عباس: لا يعنون بذلك أن يدَ الله مُوثَقَة، ولكن يقولون: بخيل، يعني: أمسكَ ما عنده بُخلًا، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله. [سبب النزول]: عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود -يقال له: شاس بن قيس- إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ . وقد ردَّ الله عز وجل عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ وهكذا وقعَ لهم، فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة أمرًا عظيمًا، كما قال تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ [آل عمران:112].

ثم قال تعالى: ﴿ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ أي: بل هو الواسع الفضل، الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضَرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا؛ كما قال: ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «إن يمين الله مَلأى لا يَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض! فإنه لم يَغِض ما في يمينه» [متفق عليه]. وقوله: ﴿ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا أي: يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمةً في حقِّ أعدائك من اليهود وأشباههم؛ فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملًا صالحًا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكفرة الحاسدون لك ولأمتك ﴿ طُغْيَانًا وهو: المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء، ﴿ وَكُفْرًا أي: تكذيبًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء: 82]. وقوله: ﴿ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ يعني: أنه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فِرقهم بعضهم في بعض دائمًا؛ لأنهم لا يجتمعون على حقِّ، وقد خالفوك وكذبوك. وقال إبراهيم النَّخَعي: الخصومات والجدال في الدين.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ أي: كلَّما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، وكلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أي: مِن سجيّتهم أنهم دائمًا يسعوْن في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.