حجم الخط:

الآيات (14-17)

الآية (14): قوله: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى مُتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بكل نبي يُرسله الله إلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود: خالفوا المواثيق ونقضوا العهود؛ ولهذا قال: ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة. وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين مُتعادين، يُكفِّر بعضهم بعضًا، ويَلعن بعضهم بعضًا؛ فكل فرقة تُحَرِّم الأخرى ولا تَدَعها تَلجُ معبدها، فالملكية تُكَفِّر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية؛ كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.

ثم قال تعالى: ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى على ما ارتكبوه من الكذب على الله ورسوله، وما نسبوه إلى الرب عز وجل وتعالى وتقدس عن قولهم علوًا كبيرًا- من جعلهم له صاحبةً وولدًا، تعالى الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفؤًا أحد.

الآية (15-16): يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة: أنه قد أرسل رسوله محمدًا بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض؛ عَرَبِهِم وَعَجَمِهِم، أُمِّيِّهِم وَكتَابِيِّهِم، وأنه بَعَثَه بالبينات والفرق بين الحقِّ والباطل، فقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ أي: يُبَيِّن ما بَدَّلُوه وحَرَّفُوه وأَوَّلُوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيَّروه ولا فائدة في بيانه. وعن ابن عباس قال: من كَفَر بالرَّجْم فقد كَفَر بالقرآن من حيث لا يحتسب.

قوله: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ فكان الرجم مما أخفوه [رواه الحاكم والطبري، وصحح إسناده أحمد شاكر].

ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴿١٥ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ أي: طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة، ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ أي: ينجيهم من المهالك، ويُوَضِّح لهم أَبْيَن المسالك، فيَصرِف عنهم المحذور، ويحصل لهم أَنْجَب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.

الآية (17): يقول تعالى مُخبِرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم -وهو عبدٌ من عباد الله، وخلق من خلقه- أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ .

ثم قال مُخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: ﴿ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا أي: لو أراد ذلك، فمن ذا الذي كان يمنعه؟! أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟!

ثم قال: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: جميعُ الموجودات ملكهُ وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يُسأل عما يفعل؛ لقدرته وسلطانه، وعدله وعظمته، وهذا ردٌّ على النصارى.