حجم الخط:

الآيات (62-70)

الآية (62-63): يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتَّقون، كما فسَّرَهم ربهم؛ فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا: فـ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ أي: فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة، ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما وراءهم في الدنيا. وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس، وغير واحد من السلف: أولياء الله: الذين إذا رُؤُوا ذُكِر الله.

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «إن من عباد الله عبادًا يَغْبِطُهُمُ الأنبياء والشهداء». قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نُحبُّهم. قال: «هم قوم تَحَابُّوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» ثم قرأ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [رواه ابن جرير وابن حبان، وصححه الألباني].

الآية (64): ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيَحمَده الناس عليه، ويُثْنُون عليه به، فقال رسول الله : «تلك عاجل بشرى المؤمن» [رواه مسلم]. وعن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعُرْوَة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النَّخَعي وعطاء ابن أبي رباح: أنهم فَسَّرُوا ذلك بالرؤيا الصالحة.

وقيل: المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة؛ كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32]. وفي حديث البراء: «أن المؤمن إذا حَضَرَه الموت، جاءه ملائكة بِيض الوجوه، بِيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى رَوْحٍ وريحان، وربِّ غير غضبان. فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فَمِ السِّقاء» [رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني].

وأما بُشراهم في الآخرة، فكما قال تعالى: ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَٰذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103]، وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12].

وقوله: ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ أي: هذا الوعد لا يُبَدَّلُ ولا يُخْلَفُ ولا يُغَيَّرُ، بل هو مقرَّر مُثْبَت كائن لا محالة ﴿ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

الآية (65-67): يقول تعالى لرسوله : ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ قولُ هؤلاء المشركين، واستعن بالله عليهم، وتوكَّل عليه؛ فإن ﴿ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ، أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين، ﴿ هُوَ السَّمِيعُ لأقوال عباده ﴿ الْعَلِيمُ بأحوالهم.

ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، وأن المشركين يعبدون الأصنام، وهي لا تملك شيئًا؛ لا ضرًّا ولا نفعًا، ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتَّبعون في ذلك ظنونهم وتخرَّصهم وكذبهم وإفكهم.

ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه؛ أي: يستريحون فيه من نَصَبهم وكَلَالِـهِم وحَرَكاتهم، ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا أي: مُضيئًا لمعاشهم وسعيهم، وأسفارهم ومصالحهم، ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة، فيعتبرون بها، ويستدلُّون على عظمة خالقها، ومقدِّرها ومسيِّرها.

الآية (68-70): يقول تعالى منكرًا على من ادَّعى أن له ولدًا: ﴿ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ أي: تقدَّس عن ذلك، هو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه.

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أي: فكيف يكون له ولد ممَّا خلق، وكل شيء مملوك له، عبد له؟!

﴿ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا أي: ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان!

﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ إنكار ووعيد أكيد، وتهديد شديد؛ كقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ﴿٨٨ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا ﴿٨٩ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴿٩٠ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا ﴿٩١ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴿٩٢ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا ﴿٩٣ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴿٩٤ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا [مريم:88-95].

ثم توَعَّد تعالى الكاذبين عليه الـمُفْتَرِين، ممن زَعَم أن له ولدًا، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة؛ فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متَّعهم قليلًا، ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ، كما قال ههنا: ﴿ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا أي: مدة قريبة، ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ أي: يوم القيامة، ﴿ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ أي: الـمُوجِع الـمُؤْلِم، ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ أي: بسبب كفرهم وافترائهم وكَذِبهم على الله، فيما ادَّعوه من الإفك والزور.