الآية (69): ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا معهم في ذلك فقد برئوا من عُهدتهم، وتخلَّصوا من إثمهم. ﴿ وَلَٰكِنْ ذِكْرَىٰ ﴾ أي: ولكن أمرناكم بالإعراض عنهم حينئذٍ تذكيرًا لهم عما هم فيه؛ ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ ذلك ولا يعودون إليه.
الآية (70): يقول تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلًا؛ فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم؛ ولهذا قال: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ ﴾ أي: وذَكِّر الناس بهذا القرآن، وحذِّرهم نقمةَ الله وعذابه الأليم يوم القيامة. ﴿ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ أي: لئلا تُبْسَلَ. قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، والحسن: تُبْسَلَ: تُسْلَم. عن ابن عباس: تفتضح. وقال الكلبي: تُجْزَى. وكل هذه العبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها: الإسلامُ للهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب؛ كما قال: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴾ [المدثر:38-39]. وقوله: ﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها؛ كما قال: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة:254]. وقوله: ﴿ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا ﴾ أي: ولو بَذَلَت كلَّ مبذول ما قُبِل منها؛ كما قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران:91]، وهكذا قال ههنا: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾.
الآية (71-73): [سبب النزول]: قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا سبيلنا، واتركوا دين محمد، فأنزل الله عز وجل: ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا ﴾ أي: في الكفر ﴿ بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي ﴿ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يقول: مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضلَّ الطريق، فحيَّرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ائتنا فإنَّا على الطريق، فأبى أن يأتيهم. فذلك مثل من يتبعهم بعد المعرفة بمحمد ﷺ، ومحمد الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإسلام. قال قتادة: ﴿ اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ ﴾ أضلَّته في الأرض، يعني: استهوته: [سيَّرته]، مثل قوله: ﴿ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم:37]. وقال ابن عباس: هذا مَثَل ضَرَبه الله للآلهة ومن يدعو إليها، والدعاة الذين يدعون إلى الله عز وجل؛ كمثل رجل ضلَّ عن طريق تائهًا ضالًّا إذ ناداه منادٍ: يا فلان بن فلان، هلمَّ إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان، هلمَّ إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول، انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق. وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغِيلان؛ يقول: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله؛ فإنه يرى أنه في شيء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة. ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ ﴾ هم «الغيلان»، يدعونه باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو يرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربَّما أكلته، أو تلقيه في مَضَلَّةٍ من الأرض يهلك فيها عطشًا؛ فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تُعبَد من دون الله عز وجل. رواه ابن جرير.
وسياق الآية يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران -وهو منصوب على الحال- أي: في حال حيرته وضلاله وجهله وجه المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون، فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى. وتقدير الكلام: فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهَداه، ولرَدَّ به إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ﴾؛ كما قال: ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ﴾ [الزمر:37]، وقال: ﴿ إِنْ تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [النحل:37].
وقوله: ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: نُخلص له العبادة وحده لا شريك له. قوله: ﴿ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ﴾ أي: وأُمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال، ﴿ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي: يوم القيامة. ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بالعدل؛ فهو خالقهما ومالكهما، والمدبِّر لهما ولمن فيهما. قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: كن فيكون عن أمره كلمح البصر، أو هو أقرب. ﴿ وَيَوْمَ ﴾ منصوب إما على العطف على قوله: ﴿ وَاتَّقُوهُ ﴾ وتقديره: واتقوا يوم يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، وإما على قوله: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ أي: وخلق يوم يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾. فذكر بدء الخلق وإعادته، وهذا مناسب. وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾.
قوله: ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ ﴾ جملتان محلّهما الجر، على أنهما صفتان لرب العالمين[1]. قوله: ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾، ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله: ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ ﴾؛ كقوله: ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر:16]، وكقوله: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَٰنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ [الفرقان:26]، وما أشبه ذلك.
المراد بالصُوْر: «القَرْن» الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن إسرافيل قد الْتَقم الصور وحنَى جبهته، ينتظر متى يُؤمَر فينفخ» [رواه مسلم].