حجم الخط:

الآيات (71-83)

الآية (71-73): يذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه الأنعام التي سخّرها لهم ﴿ فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ قال قتادة: مطيقون، أي: جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه. وكذا لو كان القطَارُ مائة بعير أو أكثر، لسار الجميع بسيرِ صغيرٍ. ﴿ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ أي: منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، إلى سائر الجهات والأقطار، ﴿ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ إذا شاؤوا نحروا واجتزروا، ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ أي: ﴿ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ [النحل:80]، ﴿ وَمَشَارِبُ أي: من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى، ونحو ذلك. ﴿ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ؟! أي: أفلا يُوحّدُون خالق ذلك ومُسَخّره، ولا يشركون به غيره؟!

الآية (74-76): يقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى. ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل وأحقر وأدحر، بل لا تقدر على الانتصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء؛ لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل. ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ قال مجاهد: يعني: عند الحساب، يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها؛ ليكون ذلك أبلغ في خِزْيهم، وأَدَلّ في إقامة الحجة عليهم. وقال قتادة: ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ يعني: الآلهة ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ والمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءًا، إنما هي أصنام. وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير رحمه الله. ﴿ فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله ﴿ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ أي: نحن نعلم جميع ما هم عليه، وسنجزيهم وصْفَهم ونعاملهم على ذلك، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلًا ولا حقيرًا، ولا صغيرًا ولا كبيرًا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديمًا وحديثًا.

الآية (77): [سبب النزول]: قال مجاهد وعِكْرِمة وقتادة: جاء أُبي ابن خلف إلى رسول الله وفي يده عظم رميم وهو يُفَتِّتهُ ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فقال: «نعم، يميتك الله ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار». ونزلت هذه الآيات: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى آخرهن. وعن ابن عباس أن العاص بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففتَّه بيده، ثم قال لرسول الله : أيُحيي الله تعالى هذا بعد ما أرى؟! فقال رسول الله : «نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم». قال: ونزلت الآيات من آخر «يس». وعلى كل تقدير سواءً كانت هذه الآيات قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل، أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث. والألِف واللام في قوله: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ للجنس، يعم كل منكر للبعث. ﴿ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ أي: أولم يستدل مَن أنكر البعث بالبدء على الإعادة؛ فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿٢٠ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿٢١ إِلَىٰ قَدَرٍ مَعْلُومٍ [المرسلات:20-22]، وقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان:2] أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته؟!

الآية (78-79): ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ أي: استبعد إعادة الله تعالى -ذي القدرة العظيمة التي خلقت السموات والأرض- للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده؛ ولهذا قال: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت.

الآية (80): ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي: الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خَضِرًا نَضِرًا ذا ثمر ويَنْع، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا، تُوقد به النار، كذلك هو فعَّال لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء. قال قتادة: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر على أن يبعثه.

الآية (81-82): يقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة في خلق السموات السبع، بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت، والأرضين السبع وما فيها من جبال ورمال، وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدًا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة؛ كقوله: ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر:57]. وقال ههنا: ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي: مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم. قاله ابن جرير. وقال: ﴿ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴿٨١ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: يأمر بالشيء أمرًا واحدًا، لا يحتاج إلى تكرار.

الآية (83): ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم، الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه يرجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو المنعم المتفضل. ومعنى قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ كقوله عز وجل: ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون:88]، وكقوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1]، فالملك والملكوت واحد في المعنى، ومن الناس من زعم أن المُلْك هو عالم الأجساد، والملكوت هو عالم الأرواح، والأول هو الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.