الآية (154-160): ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ أي: ما لكم عقول تتدبرون بها ما تقولون؟! ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٥﴾ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ ﴾ أي: حجة على ما تقولونه. ﴿ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي: هاتوا برهانًا على ذلك يكون مستندًا إلى كتاب مُنزل من السماء عن الله: أنه اتخذ ما تقولونه؛ فإن ما تقولونه لا يمكن استناده إلى عقل، بل لا يُجَوّزُه العقل بالكلية. ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ قال مجاهد: قال المشركون: الملائكةُ بناتُ الله. فسأل أبو بكر: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سَرَوات الجن. ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك ﴿ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ﴾ أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم. وقولهم الباطل بلا علم.
﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزَّه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا. ﴿ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾ وهم المتبعون للحق المنزل على كل نبي ومرسل.
الآية (161-163): يقول تعالى مخاطبًا للمشـركين: ﴿ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ ﴿١٦١﴾ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ﴿١٦٢﴾ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾ أي: ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة إلا من هو أضل منكم ممن ذُري للنار ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف:179]. فهذا الضـرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ ٨ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴾ [الذاريات:8، 9] أي: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل.
الآية (164-166): قال تعالى مُنزّهًا للملائكة مما نَسَبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم وأنهم بنات الله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾ أي: له موضع مخصوص في السموات ومقامات العبادة لا يتجاوزه ولا يتعدّاه. قال الضحاك: كان مسروق يَرْوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم» فذلك قوله: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾ [رواه الطحاوي في مُشكِل الآثار، وحسنه الألباني]. ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴾ أي: نقف صفوفًا في الطاعة. قال الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴾ فصفّوا. وفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» الحديث.
﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾ أي: نصطف فنسبّح الرب ونمجّده ونقدسه وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه.
وقال ابن عباس ومجاهد: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾ الملائكة، ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ﴾ الملائكة ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾ الملائكة يسبحون الله عز وجل. وقال قتادة: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ﴾ يعني: المصلون، يثبتون بمكانهم من العبادة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ٢٦ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ٢٧ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ٢٨ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 26 - 29].
الآية (167-170): ﴿ وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ ﴿١٦٧﴾ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ ﴿١٦٨﴾ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ﴾ [فاطر:42]؛ ولهذا قال ههنا: ﴿ فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ وعيد أكيد وتهديد شديد على كفرهم بربهم عز وجل وتكذيبهم رسوله ﷺ.
الآية (171-175): ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة:21]؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧١﴾ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم على قومهم ممن كذبهم وخالفهم، وكيف أهلك الله الكافرين، ونجَّى عباده المؤمنين. ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ أي: تكون لهم العاقبة. ﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴾ أي: اصبر على أذاهم لك، وانتظر إلى وقت مؤجل؛ فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر. ﴿ وَأَبْصِرْهُمْ ﴾ أي: أنظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك وتكذيبك؛ ولهذا قال على وجه التهديد والوعيد: ﴿ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾.
الآية (176-179): ﴿ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم؛ فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل لهم العقوبة. قال تعالى: ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ﴾ أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومهم، بإهلاكهم ودمارهم. قال السُّدي: ﴿ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ ﴾ يعني: بدارهم ﴿ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ﴾ أي: فبئس ما يُصبَّحون، أي: بئس الصباح صباحهم. ولهذا ثبت في الصحيحين عن أنس قال: صَبَّح رسول الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفؤوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش، رجعوا وهم يقولون: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي ﷺ: «الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين». ﴿ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ ﴿١٧٨﴾ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك.
الآية (180-182): ينزه تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون، ولهذا قال: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرام ﴿ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين، ﴿ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة؛ لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحقّيته، ﴿ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال.
ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل على إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص؛ قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن. ولهذا قال: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿١٨٠﴾ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴿١٨١﴾ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾.