حجم الخط:

الأمانة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ﴿٧٠﴾ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي : «اشترى رجل من رجل عقارا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني ، إنما اشتريت منك الأرض ، ولم أبتع منك الذهب، وقال الذي باع الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، قال: فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟، قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلام الجارية، ولينفقا على أنفسهما منه ، وليتصدقا»[1].

أيها الناس: يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:72-73]. ما مِنَّا مِن أحدٍ إلا وقلبه مشرئبٌّ إلى الفوز والفلاح، وإذا أردنا الوصول إلى أمْيز طُرق الفلاح وأعظمها وأوسعها نفعا - فإنه طريق الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبيْن أن يحملْنَها وأشفقن منها وحملها الإنسان.. إنه كان ظلومًا جهولا. إنها الأمانة العظمى -عباد الله- نعم الأمانة بمفهومها الواسع الذي أرادها الله لها وأرادها رسوله وهي ضد الخيانة بمفهومها الواسع الذي نهى الله عنها وأخبر أنها لا يحب أهلها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال:58] ؛ لتكون الأمانة في كل ما افترض الله على العباد في الدين والأعراض والأموال والعقول والأنفس والمعارف والعلوم والولاية والحكم والشهادة والقضاء والأسرار والحواس الخمس ونحو ذلك.. فهي -كما قال القرطبي رحمه الله-: (تعمُّ جميع وظائف الدين).

ثم إنه لا يمكن أن يكون الأمين أمينًا إلا إذا كان عافًّا عمَّا ليس له به حق، مؤدِّيا ما يجب عليه من حقٍّ لغيره، حريصًا على حفظ ما استُؤمِن عليه غير مفرِّطٍ به؛ فإن من اجتمعت فيه هذه الركائز فهو في دائرة المفلحين الذين قال الله جل وعلا عنهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1].. إلى أن قال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8].

إنها الأمانات التي عُرضت على الأرض والسموات وأُمرنا بحفظها ورعايتها والقيام بها وأدائها إلى أصحابها، فإن القيام بها والعناية بها شيمة من شيم المؤمنين، وخصلة من خصال الأخيار الصالحين، قال تعالى في كتابه المبين وهو يُثني على عباده المفلحين: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8].

الأمانة عباد الله التي عظم الله أمرها حتى أخبرَ النبي أنه يؤتى يوم القيامة بجهنم والناس في عرصاتها أي في عرصات يوم القيامة حفاة عراة غرلًا في ذلك الموقف العظيم يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، ثم يضرب الصراط على متن جهنم، وينادي الله جل جلاله بأن يسير العبادُ عليه، وعندها تكون دعوة الأنبياء: اللهم سلّم سلّم. فإذا ضُرب الصـراط على متن جهنم قال كما في الصحيح: «قامت الأمانة والرحم على جنبتي الصـراط»[2] أما الأمانة فإنها تُكبكِب في نار جهنم كل من خانها، وأما الرحم فإنها تزلّ قدم من قطعها وظلمها.

إنها الأمانة عباد الله التي أخبر النبي أن أداءها إحسان، والقيام بها إيمان، وأن تضييعَها كذب وطغيان، والاستهتار بها وخيانتها نفاق وعصيان. قال : «لا إيمان لمن لا أمانة له»[3]. فمن حُرم الأمانة فقد حرم كمَال الإيمان، ومن تلبس بالخيانة فبئسَ والله البطانة؛ فإن فيه خصلة من خصال المنافقين قال : «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان»[4].

أيها الناس.. الخيانة دليل على سوء البطانة، دليل على ضعف الإيمان بالله جل جلاله ، فالإنسان إذا كمل إيمانه كملت أمانته، وأداها على أتم الوجوه، وخاف من الله جل جلاله ، من تبعتها ومسئوليتها. إذا ضاعت الأمانة سفكت الدماء، وانتهكت الأعراض، وأكلت أموال المسلمين بالباطل. إذا ضاعت الأمانة وتفشت الخيانة فباطن الأرض خير من ظهرها. إذا ضاعت الأمانة ضاعت الحياة الطيبة السعيدة، وأصبح الإنسان لا يأمن حتى على نفسه التي بين جنبيه.

وأعظم ما تكون به خيانة الأمانات إذا كانت خيانة لله والرسول،﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27]. نزلت في أبي لبابة رضي الله عنه الذي وقف والنبي محاصرًا لبني قريظة فأشار إليهم أنهم يُقتلون. فبهذه الإشارة عَظُم ذنبه، وأنزل الله فيه من فوق سبع سموات قرآنًا يُتلى فبقي في المسجد، وحبس نفسه يبكي حتى أخبره النبي بتوبة الله عليه.

أعظم ما تكون الخيانة إذا كانت لله والرسول بالكذب على الله والكذب على رسول الله . الكذب على الله بتحليل الحرام، وتحريم الحلال والفتوى في الشـريعة والأحكام دون حُجة من الله جل جلاله.

أعظم ما تكون الخيانة إذا كانت بالكذب على رسول الله والتحديث بالأحاديث الباطلة المكذوبة على النبي .

أعظم ما تكون الخيانة إذا كان فيها ظلم للقرابات كالأبناء والبنات وتضييع حقوقهم، والاستهتار في واجباتهم، فذلك كله خيانة للأمانة، تركُ الأبناء والبنات والحبل على الغارب يسهرون ويعبثون ويضيعون أوقاتهم ويتخبطون في اختيار صداقاتهم وقدواتهم دون حسيب ولا رقيب خيانة للأمانة. ترك تربيتهم وتوجيههم وتعليمهم وإرشادهم خيانة للأمانة، فإن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه هل حفظ ذلك أم ضيّع، وإن الله سيوقفك بين يديه ويسألك عن أمانتهم إذا تركتهم نائمين والصلاة ينادى بها منادي الله فقد ضيعت الأمانة، إن لم توقظهم، وليتعلقن بك الصغيرة والكبيرة بين يدي الله، إذا كان الصغير ممن يؤمر بالصلاة فيقول: يا رب سل أبي رآني نائمًا ولم يوقظني للصلاة ولم يرغبني فيها ولم يشجعني عليها.

تضييع الأمانات عباد الله خسارة وحسرة يوم القيامة وندامة.

أعظم ما تكون الخيانات عباد الله إذا كان فيها هتك أعراض المسلمين وكشف عوراتهم، وتتبع عيوبهم وعثراتهم ونشرها بين الناس، وأشد ما يكون ذلك بين الجيران والقرابات، فذلك ظلم وخيانة وقطيعة رحم، ولنأخذ مثالًا على ذلك ما يحدث بين الأقارب، وكمثال: الزوجان؛ فإنه يكون بينهما أسرار وخبايا، ويرى بعضهم من بعض ما لا يراه غيرهما من العيوب والخفايا، نظرًا لطول العشرة، ورفع ستار الحشمة والاحتجاب بينهما، الزوج إذا أخذ امرأةً فإنه قد يطلع على شيء من عيوبها وعيوب أهلها وقرابتها، وكذلك الزوجة تطلع على شيء من عيوب زوجها وعيوب أقربائه، فإفشاء هذه الأسرار وكشف هذه الأستار خيانة للمؤمنين والمؤمنات، واعتداء على حدود الله جل جلاله خاصة إذا وقعت الخصومات والنزاعات، بأن يذهب الزوج إلى قرابته يُحدثهم بما يكون من زوجته، ولربما حدثهم عن أدق الأمور وأخفاها، وكذلك الزوجة قد لا تخاف الله جل جلاله فبمجرد أن تكون الخطيئة من زوجها تذهب إلى أهلها وقرابتها؛ لكي تخون الله في أماناتها فتهتك ما اطلعت عليه من العورات وتكشف السوءات دون خوف من الله جل جلاله ، أو مراعاة لسابق العشرة، أو استبقاء شيء من المودة والمحبة، والله تعالى يقول للزوج والزوجة: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].

اختلف رجل مع امرأته وقد رأى منها ما يكره، فلما سُئل عنها قال: (ما كنتُ لأهتك ستر امرأتي. ثم ترجّح له أن يطلقها بعد أن تأكد له صعوبة الاستمرار معها، فلما طلقها سألوه: حدّثنا عن عيوبها، فإنها الآن لم تعد امرأتك؟ فقال: ليس من حقي أن أكشف عيوب امرأة لم تعد في عصمتي!). إنها أمانة الكلمة، لله درّه امرؤٌ، ولله درُّها مروءة، هذه هي السجايا الرفيعة، والآداب النبيلة، والأخلاق السامية.

عباد الله: ومن أعظم ما تكون الخيانة إذا كانت بالكذب والزور والشهادات، قال : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت»[5].

كررها؛ لأن شهادة الزور من أعظم الخيانات بها تسفك الدماء البريئة، وبها تُنتهك أعراض المسلمين بدون حق، وبها تؤكل أموالهم بالباطل، فشاهد الزور خان الله ورسوله وعباده المؤمنين خان القاضي حينما ائتَمَنَه أن يكون صادقًا في شهادته فكان من الكاذبين، وخان من شهد له؛ لأنه أدخل عليه المال الحرام، وأدخل عليه السحت والآثام، وخان المظلوم الذي شهد عليه حينما أضره وآذاه وتسبب في البلية التي كانت بسبب شهادته بالعبث.

ومن أعظم ما تكون الخيانات إذا كانت بالعبث بأمور القضاء والحكم، أو أوراق المعاملات والوثائق والمستندات، ونحوها من الشهادات، إذا أؤتمن الإنسان على السجلات ونحوها، فقدّم من حقّه التأخير، وأخّر من حقه التقديم، عملًا بمبدأ الوساطات والمحسوبيات والرشوات، تلك أمانة على من وليها أن يتقي الله فيها وأن يؤديها كما أخذها، دون زيادة أو نقص فيها بدون حق، عليك أيها المسؤول أو الموظف أن تتقي الله جل جلاله في كل ما يوضع بين يديك من السجلات والوثائق والشهادات، تخاف الله جل جلاله وتجعله نصب عينيك دون محاباة للقريب أو الصاحب، إن فعلت ذلك كنت من الأمناء، وإن غيَّرت أو بدلت وقعت في الظلم وخُنت الأمانة التي ستُسأل عنها بين يدي الله تعالى. ولا تنس وصية المصطفى لأبي ذر حين سأله أن يوليه ولاية، فضرب على منكبه وقال: «يا أبا ذر! إنك رجل ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة إلا من أخذها بحقها وأدّى الذي عليه فيها» رواه مسلم.

ومن هذا الحديث -عباد الله- نستطيع أن نبعث رسالةً إلى كل من تطلعت نفسه واشرأبت إلى أن تتولى مصلحة من مصالح المسلمين دون استحضار القدرة عليها والشعور بقيمتها، والتأمل الصادق في عظم المسئولية وخطورة التبعة فيها.. والقوة في هذا الحديث تعني حسن الإدارة الموصوفة بالحزم والحكمة والإجادة؛ إذ لا أحد يشك في إيمان أبي ذر رضي الله عنه وتقواه.. ومع ذلك وصفه النبي بأنه ضعيف.. والضعف خلل في تحمل المسئولية؛ ولذا فإننا نشاهد في كل عصرٍ ومصر من تُوكل إليه المسئولية وهو طيبٌ في نفسه ومؤمنٌ بربه وحسنٌ في عبادته، ولكنه لا يفعل خيرًا في مسئوليته ولا يحجز شرّا.. هكذا سبهللًا، وترى من تحت مسئوليته فوضى لا سراة لهم..

فمثل هذا لم يدرك أن وظيفته عقدٌ بينه وبين ولي الأمر أو بين مؤسسةٍ للقيام بعمل محدودٍ مقابل عوضٍ مخصوص، ومن فرَّط في أداء هذا الواجب فهو ممن لم ينفعه إيمانه في أداء واجبه؛ إذ كيف يرضى المؤمن بالغش أو الخيانة أو التقصير فيما استأمنه عليه ولي الأمر من مصالح العباد وحاجاتهم؛ لأن النبي يقول: «لا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةَ له، ولا دينَ لمن لا عهد له»[6].

ولذا فإن الوظائف -كبيرها وصغيرها- ليست وسيلةً للترفُّه، أو طريقًا للترفُّع، إنما هي أمانة في بناء كيان دولةٍ، وضمان مجتمع، وحاضر أمة ومستقبلها؛ فمن وُلّي من أمر المسلمين عملًا فضيّع فيه فهو خائن. فهو خائن. فهو خائنٌ للأمانة، و ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [الأنفال:58]، ومن هنا كان المؤمنون الصالحون والعقلاء الناصحون يفرّون من هذه الولايات والمناصب، لأنها تبعات ومصائب، على كل من تطلّع إليها ثم لم يؤد حق الله وحق العباد فيها.

فالحذر الحذر -عباد الله- من انقلاب المفاهيم وعدم التمييز بين الخائن والأمين؛ فما زمننا هذا إلا ميدانٌ ترامت فيه الأهواء، وقُلِبت فيه الحقائق؛ فسُتِر على الخائن، وضُيِّق على الأمين؛ بسبب مفاهيم مغلوطةٍ، ومقدماتٍ مضللة، ولقد صدق رسول الله إذ قال: «والذي نفْسي بيدِه.. لا تقومُ الساعةُ حتى يُخوَّنُ الأمين ويؤتمن الخائن...»[7].

عباد الله: الأمانات حقوق وواجبات ومسئوليات وتَبِعَات شَمِلَت الصغير والكبير والجليل والحقير ولن يضيع فيها مثال حبة من خردل أو قطمير فاتقوا الله يا عباد الله، ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة:281].

اللهم وفقنا لأداء الأمانات وحفظ الحدود والمحارم برحمتك يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو أرحم الراحمين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى جميع أصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فيا عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل.

عباد الله: الأمانة مفهوم شامل، وأدب جامع، يندرج تحته سائر الأقوال والأفعال، والعبادات والمعاملات، فالجليس مؤتمن، قال : «إذا حدث الإنسان حديثا والمحدث يلتفت حوله، فهو أمانة»[8].

والمستشار مؤتمن، قال : «المستشار مؤتمن»[9].

زعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من استشاره أخوه المسلم فأشار عليه بأمر يعلم أن الرشد في غيره ، فقد خانه» وفي رواية: «إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة»[10].

وفي كل شيء من عبادات الإنسان وتعاملاته أمانة مسؤول عنها عند الله يوم القيامة، فعن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة ، يؤتى بصاحب الأمانة - وإن قتل في سبيل الله - فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أي رب! كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى الهاوية، فيذهب به إليها، وتمثل له أمانته، فيجدها كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى ينتهي إلى قعرها، فيأخذها فيحملها على عاتقه، ثم يصعد بها في نار جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج بها، زلت فهوت، فهو في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشد ذلك الودائع» ، قال زاذان: فلقيت البراء بن عازب رضي الله عنه فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ ، فقال: صدق، أما سمعت الله يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا [النساء:58][11].

ولهذا لما خرج الصادق الأمين مهاجرًا إلى المدينة، وكان الناس يودِعون عنده الودائع، أقام علي بن أبي طالب في مكة ثلاث ليال وأيامها، حتى أدى عن رسول الله الودائع التي كانت عنده للناس، فلما فرغ منها لحق برسول الله .

اعلموا -عباد الله- أنه ما اتصف أحدٌ بصفة الأمانة إلا كان الفلاح حاديه والسكينة والطمأنينة مطيته، ولم يتفق العقلاء - قديمًا وحديثًا.. رجالًا ونساءً.. كبارًا وصغارًا- على استحسان خَلّةٍ كخلةِ الأمانة يتحلى بها المرء المسلم؛ ألا ترون إلى ابنة شعيب عليه السلام حينما خاطبت أبيها عن موسى عليه السلام قائلة: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26]. ومن هذا المنطلق فإن صفة الأمانة صفةٌ مطلقة لا تخضع للمقابلة بالمثل حسب تعامل الناس معك؛ يقول : «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»[12].

وإن من أعظم ما تكون عليه الأمانة مع الجار، وأشد الخيانة: خيانة الجار، فخيانة الجار يا عباد الله عظيمة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: سألت النبي : «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك»[13].

الزنى والعياذ بالله من أعظم الخيانات، ومن الكبائر المهلكات والذنوب الموبقات، لكنه بحليلة الجار من أعظم الجرائم وأشدها عند الله جل جلاله. تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]. اشتد غضب الله على من هتك ستر جاره، فالجار له حقوق على جاره تَعلم أخباره، وتعرف مدخله ومخرجه، وصدقه وكذبه، وتطلع على ما يكون منه من الأمور، فاتق الله جل جلاله.

واعلم أخي الكريم أن كل شيء رأته عيناك أو سمعته أذناك من عورات المسلمين فإنه أمانة في عنقك، فاتق الله جل جلاله ، ومن ستر مسلمًا ستره الله، ومن تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه في الدنيا والآخرة.

إن للأمانة من الدقة والأهمية ما يوضحها دعاء النبي مستعيذًا ربه قائلًا: «اللهم إني أعوذُ بك من الجوعِ فإنه بئْس الضَّجِيع، وأعُوذ بكَ من الخيانةِ فإنها بِئْستِ البِطانة»[14].

وما حُمِّلَ الإنسانُ مثلَ أمانةٍ

أشقَّ عليه حينَ يحملُها حملا

فإِن أنتِ حُملتَ الأمانةَ فاصطبر

عليها فقد حُمِّلْتَ من أمِرها ثِقْلا

إذا رأيت الرجل يحفظ الأمانة، ورأيته يؤديها إلى أصحابها على أتم الوجوه وأكملها فاعلم أن وراء ذلك قلبًا يخاف الله جل جلاله ويتقيه، وأن هذا العبد يعلمُ عِلمَ اليقين أن الله محاسبُهُ وسائِلُه ومجازيه.

ألا وصلوا وسلموا على خير الأنبياء وإمام الأتقياء فقد أمركم الله بذلك...

صاحب هذه الخطبة

الشيخ / محمد المختار الشنقيطي

شاركنا تقيمك لجودة المحتوى
أضف ملاحظة